إسبانيا تدفع 2.5 مليون يورو تعويضاً لعامل مغربي قضى 15 عاماً في السجن بتهم اغتصاب لم يرتكبها

العرائش نيوز:

المحكمة العليا تصف الخطأ القضائي بأنه “واضح ولا يقبل الجدل” في قضية هزت الثقة في النظام القضائي الإسباني

في حكم تاريخي يُعد الأكبر من نوعه في إسبانيا من حيث قيمة التعويض الممنوح لضحية خطأ قضائي، أمرت المحكمة العليا الإسبانية الدولة بدفع 2.5 مليون يورو للمواطن المغربي أحمد تموحي (75 عاماً)، الذي قضى 15 عاماً خلف القضبان و3 أعوام في الإفراج المشروط بتهم اغتصاب ثبت لاحقاً أنه بريء منها تماماً.

جاء هذا القرار بعد أن نقضت الدائرة الإدارية للمحكمة العليا حكماً سابقاً للمحكمة الوطنية (التي تعد المحكمة الجنائية المركزية في إسبانيا)، كانت قد رفضت فيه تعويض تموحي بحجة عدم وجود “خطأ قضائي جسيم أو واضح”. غير أن المحكمة العليا رأت相反 ذلك، مؤكدة أن تموحي كان ضحية “خطأ قضائي واضح ومؤكد”.

دليل الإدانة الذي تجاهله القضاة

تعود وقائع القضية إلى نوفمبر 1991، عندما اعتُقل تموحي في كاتالونيا بتهمة ارتكاب سلسلة من الاعتداءات الجنسية في مقاطعتي برشلونة وتاراغونا. صدرت بحقه أحكام متتالية: حكمته محكمة برشلونة بـ24 عاماً، ثم قضت محكمة تاراغونا عليه بأكثر من مئة عام، إضافة إلى حكم ثالث بالسجن 51 عاماً.

لكن جوهر الخطأ القضائي يكمن في إغفال صارخ: تقرير الطب الشرعي الذي أعدته الشرطة العلمية في برشلونة عام 1992، والذي حلل السائل المنوي الموجود على ملابس إحدى الضحيات وخلص إلى أن العينة البيولوجية لا تتطابق مع التركيبة الجينية لتموحي. رغم أن هذا التقرير كان جزءاً رسمياً من ملف القضية، فإن القضاة لم يقيّموه قط.

وفي تعليقها على هذا الإغفال، قالت المحكمة العليا في حيثيات حكمها إن “إغفال دليل خبير موضوعي، يتسم بعدم التوافق مع فرضية الاتهام وإمكانيته الحاسمة في النطق بالحكم، يشكل إخلالاً بالعملية المنطقية لتكوين القناعة القضائية”. وأضافت أن هذا الخطأ كان “حاسماً” في إبقاء تموحي رهن الاحتجاز “لفترة طويلة للغاية”.

اعتراف الضحية وسلسلة من الإلغاءات القضائية

شهدت القضية تطورات دراماتيكية على مر السنين. ففي عام 1997، ألغت المحكمة العليا الإدانة الأولى بحق تموحي، لكن الأحكام المتبقية ظلت سارية لعقود. وفي عام 2023، ألغت المحكمة العليا الحكم الثاني الصادر بحقه، قبل أن تُلغى الإدانة الأخيرة في ديسمبر 2025.

كما اعترفت إحدى الضحيات لاحقاً بخطئها في التعرف على تموحي، فيما ألقت الشرطة الإسبانية القبض على رجل آخر يشبه تموحي إلى حد كبير، وأكدت أدلة الحمض النووي ارتكابه واحدة على الأقل من جرائم الاغتصاب التي نسبت خطأ إلى العامل المغربي.

معاناة إنسانية لا تعوضها ملايين

ورغم قيمة التعويض الكبيرة، التي تعد الأعلى في تاريخ إسبانيا في قضايا الأخطاء القضائية، فإن تموحي عبّر عن مرارته قائلاً للصحافيين: “النظام القضائي دمّر حياتي… المال لن يعيد لي صحتي أو شبابي، لقد سرقوا 36 عاماً من عمري”.

وقد أوضحت المحكمة في حكمها أن طول فترة الحرمان من الحرية – حوالي 18 عاماً بين السجن الفعلي والإفراج المشروط – يضع القضية “في خانة بالغة الخطورة”، وأن هذه المدة الطويلة تسببت في “تفاقم تدريجي للمعاناة النفسية، وفقدان فرص الحياة، وتأثير على شخصية المتضرر” يتجاوز بكثير حالات الاحتجاز التعسفي العادية.

مأساة موازية

لم يكن تموحي الضحية الوحيدة في هذه القضية. فقد توفي مواطنه عبد الرزاق، المتهم معه، بنوبة قلبية في السجن عام 2000، بعد أن أصر هو الآخر على براءته ورفض عرضاً بتسوية بعد إلغاء إحدى إداناته.

أما تموحي نفسه، فقد رفض عفواً قُدم نيابة عنه عام 1999 من قبل المدعي العام الكاتالوني آنذاك، متمسكاً بموقفه المبدئي: “العفو للمذنبين، وأنا بريء”.

سابقة قانونية رائدة

يرسخ هذا الحكم سابقة قانونية هامة في إسبانيا. فقد رأت المحكمة أنه على الرغم من أن نجاح استئناف المراجعة لا يُخول الشخص تلقائياً الحصول على تعويض من الدولة، إلا أنه يمكن أن يشكل أساساً لهذا الادعاء عندما يكشف قرار المراجعة نفسه، “بشكل مباشر وواضح لا لبس فيه”، عن خطأ قضائي محدد. وهذا يفتح مساراً جديداً للتعويض في الحالات “الاستثنائية”.

يذكر أن تموحي كان قد طالب بتعويض إجمالي قدره 3.64 مليون يورو، غير أن المحكمة استقرت على مبلغ 2.5 مليون يورو، معتبرة إياه “مبلغاً مناسباً لتعويض، بشكل معقول ومتناسب، الضرر المعنوي والمادي” الناجم عن هذا الخطأ القضائي الفادح.


شاهد أيضا
تعليقات
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.