هل نجح المغرب في تعميم الحماية الاجتماعية؟

العرائش نيوز :

ذ.مروان بل

يُعد ورش تعميم الحماية الاجتماعية، الذي أطلقه صاحب الجلالة الملك محمد السادس خلال خطاب العرش لسنة 2020، أحد أكبر المشاريع الإصلاحية والاجتماعية في تاريخ المغرب الحديث، بعدما جعل من بناء الدولة الاجتماعية أولوية وطنية. وبعد نحو خمس سنوات من انطلاقه، يعود التقرير التحليلي “هل نجح المغرب في تعميم الحماية الاجتماعية؟”، الصادر سنة 2026 عن المعهد المغربي لتحليل السياسات، من إعداد الباحث عبد الرفيع زعنون، لتقييم حصيلة هذا الورش، من خلال رصد أبرز منجزاته، وتحديد مكامن التعثر، وقياس مدى اقتراب المغرب من تحقيق هدف الحماية الاجتماعية الشاملة.

لم يأت هذا الورش من فراغ، بل فرضته اختلالات راكمها النظام الاجتماعي لعقود، قبل أن تكشف جائحة كوفيد-19 حجم هشاشتها بشكل غير مسبوق. فقبل سنة 2020، كان حوالي 80% من الأشخاص الذين تجاوزوا 60 سنة لا يستفيدون من أي معاش تقاعدي، بينما لم تكن 60% من الأسر تستفيد من أي تعويضات عائلية، ولم تتجاوز التغطية الصحية 74.2% في أفضل التقديرات، في حين ظل التعويض عن فقدان الشغل محدوداً ولم يشمل سوى 1% من الأجراء المصرح بهم في القطاع الخاص. ومع الجائحة، اضطرت الدولة إلى تقديم الدعم لحوالي 5.5 ملايين أسرة، أي ما يقارب 23 مليون مواطن يمثلون حوالي 64% من سكان المغرب، وهو ما أكد أن منظومة الحماية الاجتماعية لم تعد قادرة على مواجهة الأزمات بالنجاعة المطلوبة.

في هذا السياق، أطلق المغرب ورش تعميم الحماية الاجتماعية، الذي ارتكز على أربعة محاور رئيسية تتمثل في تعميم التأمين الإجباري الأساسي عن المرض، وتوسيع الاستفادة من التعويضات العائلية، وتوسيع قاعدة المنخرطين في أنظمة التقاعد، ثم تعميم التعويض عن فقدان الشغل. كما اعتمد الإصلاح على مبادئ التضامن والعدالة الاجتماعية وعدم التمييز، مع جعل الحماية الاجتماعية حقاً أساسياً وليس مجرد برنامج ظرفي للدعم.

ولعبت الحكومة الحالية دوراً أساسياً في تنزيل هذا المشروع، حيث أشرفت على تسريع إخراج النصوص التنظيمية، وإطلاق السجل الوطني للسكان والسجل الاجتماعي الموحد، وتفعيل برنامج الدعم الاجتماعي المباشر، إلى جانب تعميم التأمين الإجباري الأساسي عن المرض لفئات واسعة من المواطنين. كما رفعت بشكل تدريجي الاعتمادات المخصصة للصحة والحماية الاجتماعية، وواكبت الإصلاح بمنظومة رقمية غير مسبوقة لتجميع معطيات الأسر وتوجيه الدعم. غير أن التقرير يبرز أن هذا التقدم ما يزال يواجه عدداً من التحديات، من أبرزها جودة الخدمات الصحية، وعدالة الاستهداف، واستدامة التمويل، فضلاً عن تأخر تنزيل بعض المكونات، وعلى رأسها التعويضات العائلية مقارنة بالأجندة الزمنية المعلنة.

ومن أبرز مستجدات الإصلاح اعتماد السجل الاجتماعي الموحد باعتباره الآلية الأساسية لتحديد الأسر المستحقة للدعم. ويستند هذا النظام إلى مؤشر للاستحقاق يعتمد على معايير اجتماعية واقتصادية متعددة، بهدف توجيه الدعم إلى الفئات الأكثر هشاشة. غير أن التقرير يسجل أن هذه الآلية، رغم مساهمتها في تحسين الاستهداف، أفرزت حالات إقصاء لأسر تعيش أوضاعاً صعبة بسبب تجاوزها عتبة الاستحقاق بفارق بسيط أو نتيجة عدم تحيين بياناتها. كما يشير إلى أن 92% من غير الأجراء الملزمين بالاشتراك تتراوح نقاط استحقاقهم بين 9.32 و9.51، أي فوق عتبة الاستفادة بقليل، ما يجعلهم عملياً ضمن الفئات الهشة رغم إخراجهم من نظام التضامن، وهو ما يدعو إلى مراجعة معايير التنقيط وجعلها أكثر مرونة وإنصافاً.

أما على مستوى الإنجازات، فقد حقق الورش تقدماً لافتاً. إذ ارتفعت نسبة المستفيدين من التأمين الإجباري الأساسي عن المرض من 42% سنة 2020 إلى 88% مع نهاية سنة 2025، كما استفادت حوالي 4 ملايين أسرة من التحويلات المالية المباشرة، بما يفوق 12 مليون شخص، بينهم 5.5 ملايين طفل و1.5 مليون شخص يتجاوز عمره 60 سنة. كذلك ارتفع عدد المسجلين في السجل الوطني للسكان من 9 ملايين في ماي 2023 إلى 22.5 مليون في شتنبر 2025، بينما ارتفع عدد الأسر المسجلة في السجل الاجتماعي الموحد من 1.8 مليون إلى 5.3 ملايين أسرة، تضم حوالي 19.6 مليون شخص. وهي مؤشرات تعكس انتقال المشروع من مرحلة التخطيط إلى مرحلة التنفيذ الواسع.

وفي موازاة ذلك، شهد قطاع الصحة استثمارات مهمة لمواكبة هذا التحول، حيث ارتفعت ميزانية الصحة والحماية الاجتماعية من 19.7 مليار درهم سنة 2021 إلى حوالي 32.6 مليار درهم سنة 2025، مع توقع بلوغها 42.36 مليار درهم سنة 2026. كما انطلق العمل على إنشاء خمسة مراكز استشفائية جامعية جديدة بطاقة تقارب 4000 سرير، إضافة إلى تأهيل 83 مستشفى و1400 مركز صحي. ورغم هذا المجهود الاستثماري، يشير التقرير إلى أن توسيع التغطية الصحية لم يواكبه بالوتيرة نفسها تطوير العرض الصحي، وهو ما يحد من التمتع الفعلي بالخدمات الصحية. وتنعكس هذه الوضعية في استمرار محدودية الكثافة الطبية، التي لا تتجاوز 8 أطباء لكل 10 آلاف نسمة، والطاقة الاستيعابية التي تبلغ نحو 10.8 أسرّة لكل 10 آلاف نسمة، إلى جانب استمرار تحديات المواعيد ونقص الموارد البشرية والتجهيزات.

وفي المقابل، يسجل التقرير عدداً من التحديات التي ما تزال تعيق بلوغ التعميم الفعلي. فمن جهة، تأخر إصدار بعض النصوص التنظيمية المرتبطة بالتعويضات العائلية، ومن جهة ثانية لم يُستكمل بعد تأمين الموارد المالية اللازمة لتغطية التكلفة السنوية المقدرة بحوالي 51 مليار درهم، خاصة فيما يتعلق بتوسيع أنظمة التقاعد والتعويض عن فقدان الشغل. كما أن الاعتماد المكثف على الرقمنة، رغم مزاياه، أدى إلى إقصاء بعض الأسر الهشة بسبب أخطاء في المعطيات أو بسبب طريقة احتساب مؤشر الاستحقاق.

ويخلص التقرير إلى أن المغرب نجح في وضع أسس الدولة الاجتماعية من خلال بناء إطار مؤسساتي وقانوني ومالي غير مسبوق، وحقق تقدماً ملموساً في توسيع التغطية الصحية والدعم الاجتماعي المباشر. إلا أن النجاح الكامل لا يزال رهيناً بتحسين جودة الخدمات الصحية، وضمان تمويل مستدام لمختلف البرامج، وإعادة النظر في آليات الاستهداف حتى تعكس الواقع الاجتماعي للأسر بشكل أكثر عدالة. وبذلك، فإن ورش تعميم الحماية الاجتماعية يمثل تجربة إصلاحية طموحة حققت نتائج مهمة، لكنها ما تزال في حاجة إلى استكمال الإصلاحات حتى تتحول الحماية الاجتماعية من حق قانوني إلى واقع يلمسه جميع المواطنين.


شاهد أيضا
تعليقات
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.