العرائش نيوز:
أثار رصد مختبرات أوروبية لمعدن الرصاص السام في شحنات من الزيتون الأخضر المصدر من المغرب نقاشاً ساخناً حول جودة المنتجات الفلاحية الوطنية ومنظومة تتبع السلامة الصحية. الإخطاران الرسميان الصادران عن نظام الإنذار السريع للأغذية والأعلاف التابع للمفوضية الأوروبية (RASFF)، أعادا طرح تساؤلات جوهرية حول الفارق بين صرامة المراقبة الموجهة للتصدير وتلك المفروضة على المنتجات الموجهة للاستهلاك الداخلي في الأسواق الوطنية.
حسب البيانات الرسمية لنظام الإنذار الأوروبي، جرى تسجيل خروقات محددة لشحنتين من الزيتون المغربي خلال فترة وجيزة:
الإخطار الأول (هولندا): سُجّل في 12 ماي 2026 تحت رقم (2026.4142)، وتضمن رصد نسبة 0.158 مليغرام من الرصاص في الكيلوغرام الواحد من “زيتون أخضر منزوع النوى”، في حين أن الحد الأقصى المسموح به أوروبياً هو 0.10 مليغرام، أي بتجاوز مقلق ناهز 58%.
الإخطار الثاني (ألمانيا): صدر حديثاً بتاريخ 15 يوليوز 2026 تحت رقم (2026.6291)، ويتعلق بالمنتج ذاته والمادة الملوثة نفسها، حيث صنفت السلطات الأوروبية الحالة باعتبارها تنطوي على “خطر محتمل”.
يأتي هذان الإنذاران ليعيدا إلى الأذهان تصريحات وزير الفلاحة، أحمد البواري، في إجاباته البرلمانية السابقة، حين دافع عن استمرار تصدير منتجات سلسلة الزيتون رغم تراجع المحصول محلياً، مبرراً ذلك بأن فئة “البكر الممتاز المعبأ” (الأعلى جودة وقيمة) لا تحظى بطلب كبير لدى المستهلك المغربي وبالتالي تتوجه للخارج.
ورغم أن الوزير كان يتحدث حينها عن “زيت الزيتون” بينما يخص التحذير الأوروبي الحالي “زيتون المائدة”، إلا أن ارتباط المنتجَين بنفس السلسلة الفلاحية والصناعية يضع الحكومة في موقف محرج؛ فإذا كانت الشحنات المنتقاة للأسواق الخارجية، والتي تمر عبر حلقات فرز وتتبع شديدة الصرامة، قد تعثرت في اختبارات المعادن الثقيلة، فما هو واقع المنتجات الأقل سعراً والمعروضة في الأسواق الشعبية والمحلات التقليدية داخل المغرب؟
أكد خبراء ومتابعون للقطاع أن هذين الإخطارين لا يعنيان بالضرورة أن الزيتون المغربي كله ملوث، ولا يسمحان بتوجيه اتهام تعميمي للقطاع بأكمله، فالأمر يظل مرتبطاً بشحنتين محددتين حتى الآن. ومع ذلك، فإن تكرار رصد ملوث خطير كالرصاص يفرض إجراء تحقيق مستعجل لتحديد مصدر التلوث؛ هل ناتج عن التربة ومياه السقي؟ أم تفاعل كيميائي أثناء مراحل التصبير والتخليل والتعبئة داخل الوحدات الصناعية؟
في الوقت الذي يتيح فيه الاتحاد الأوروبي كافة المعطيات التقنية المرتبطة بالإنذار لحماية مواطنيه، يواجه المستهلك المغربي فراغاً في المعلومة الرسمية من طرف المكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية (ONSA) ووزارة الفلاحة.
وتطالب فعاليات مدنية وحقوقية بضرورة خروج السلطات الصحية عن صمتها لتقديم أجوبة مباشرة للرأي العام:
تحديد الوحدات والمصانع المغربية المعنية بهذه الشحنات.
الكشف عن ما إذا كانت هذه الوحدات تنتج أيضاً وتوزع للسوق الوطنية.
إعلان نتائج التحاليل الاحترازية على المنتجات المعروضة في المتاجر المغربية لضمان سلامة المواطنين.
إن خطورة مادة الرصاص وتأثيراتها التراكمية السامة على صحة الإنسان، خاصة الأطفال والنساء الحوامل، لا تسمح بالتعامل مع القضية كخلل تجاري عابر. والوضوح التام من طرف المؤسسات الرقابية هو السبيل الوحيد لحماية صحة المستهلك المغربي من جهة، وتحصين سمعة الصادرات الفلاحية الوطنية من جهة أخرى عبر عزل المصنعين غير الملتزمين بالمعايير.
