حجوزات دون التوقعات وركود مقلق: لماذا تراجعت الحركة السياحية بشمال المغرب

العرائش نيوز:

رغم التقارير الرسمية المتفائلة التي تصدرها وزارة السياحة المغربية حول الارتفاع الشامل في أعداد الوافدين على المستوى الوطني خلال النصف الأول من سنة 2026، يعيش مهنيو السياحة في مدن شمال المملكة (طنجة، تطوان، المضيق، الفنيدق، الحسيمة) على وقع صدمة حقيقية؛ حيث سجل القطاع انخفاضاً ملموساً وركوداً في الحركة السياحية وتراجعاً في نسب ملء الحجوزات الفندقية والشقاق المعدة للكراء، على الرغم من وصول موسم الاصطياف إلى ذروته (منتصف شهر يوليوز).

هذا التناقض بين الأرقام الرسمية والواقع الميداني المقلق في مدن الشمال يعود إلى جملة من الأسباب الاقتصادية، السلوكية، والتنظيمية التي رصدتها النقاشات والتقارير المهنية الحالية:

يُجمع جل السياح المغاربة وأفراد الجالية على أن “الجشع” ومبالغة المنعشين السياحيين والمواطنين المحليين في الأسعار كان السبب الرئيسي وراء هروب الزوار هذا الموسم:

  • أسعار كراء فلكية: تجاوزت أثمنة الشقق العادية في مدن مثل المضيق ومارتيل والحسيمة مستويات غير معقولة، مما شكل عبئاً ثقيلاً على كاهل الأسر المتوسطة.

  • غلاء المعيشة اليومي والمطاعم: يشتكي الزوار من الارتفاع الصاروخي لأسعار الوجبات في المطاعم والمقاهي الشاطئية، فضلاً عن الاحتكار وفرض مبالغ باهظة للاستفادة من المظلات الشمسية (الباراسولات) على الشواطئ.

شكلت الفوضى السعرية لمدن الشمال خلال المواسم الماضية درساً قاسياً دفع شريحة واسعة من السياح المغاربة (خاصة الطبقة الوسطى والثرية) إلى مقاطعة شواطئ الشمال وتفضيل السفر إلى الخارج. وتشير شهادات المسافرين إلى أن تكلفة قضاء أسبوع في البرتغال أو جنوب إسبانيا (الأندلس) أصبحت توازي أو حتى تقل عن ثلث تكلفة الاصطياف في شمال المغرب، مع الاستمتاع بجودة خدمات ومرافق أعلى بكثير وبنية تحتية سياحية متطورة ومحترمة.

من بين العوامل التي رصدتها التقارير أيضاً، تراجع منسوب رضا الزوار بخصوص “المنتج السياحي” المقدم:

  • المعاملة وغياب الاحترافية: يشتكي العديد من السياح من المعاملة الفظة أو الجافة من طرف بعض مقدمي الخدمات الموسميين والعشوائيين (أصحاب مواقف السيارات غير القانونية “الجيلي الأصفر”، مستأجري المظلات).

  • ضعف جودة الخدمات: غياب الأنشطة التنشيطية الثقافية والترفيهية المبتكرة التي تجعل السائح يمدد فترة إقامته، حيث تقتصر السياحة هناك على الإيواء والمبيت فقط.

تعاني البنية التحتية لبعض الحواضر الشمالية (مثل طنجة وبعض المحاور الساحلية المضيقة) من اختناق مروري حاد خلال فترة الصيف بسبب ضيق الشوارع وعدم ملاءمتها لتدفق آلاف السيارات في وقت واحد. هذا الأمر يتسبب في ضياع ساعات طويلة من يوم المصطافين وسط الطرقات، ما يولد شعوراً بالنفور والإرهاق ويدفعهم لتقصير مدة عطلتهم أو البحث عن وجهات بديلة كالمناطق الجبلية الهادئة.

لا يمكن عزل أزمة السياحة بالشمال عن الوضع الاقتصادي العام؛ فالأسر المغربية تواجه تراجعاً ملحوظاً في قدرتها الشرائية بسبب موجة التضخم وارتفاع أسعار المواد الأساسية، مما جعل ميزانية “العطلة الصيفية والاستجمام” في ذيل قائمة الأولويات، أو تم اختصارها في بضعة أيام معدودة عوض أسابيع كما كان معتاداً في السابق.

يرى مهنيو القطاع بالشمال أن موسم 2026 يمثل مرحلة “إعادة هيكلة طبيعية للأسعار”. وإذا أرادت مدن الشمال استعادة توهجها وجاذبيتها، فإن المجالس الجماعية ووزارة السياحة مطالبة بفرض رقابة صارمة على أثمنة الكراء والمطاعم، ومحاربة العشوائية، والارتقاء بجودة الاستقبال والخدمات لتصبح تنافسية أمام إغراءات الضفة الأوروبية المجاورة.


شاهد أيضا
تعليقات
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.