العرائش نيوز:
إبراهيم الحداد..محام بهيئة طنجة
لم يعد القانون المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة مجرد نص تشريعي استكمل مساره البرلماني وانتهى الأمر، وإنما أصبح موضوعا لإشكال مؤسساتي ودستوري متعدد الأبعاد. فقد مر مساره في ظل خلاف مهني عميق، واتسمت مرحلته الأخيرة، ولا سيما القراءة الثانية، بسرعة لافتة، وانتهت المصادقة عليه في آخر وقت من عمر البرلمان، قبل أن تتم إحالته على المحكمة الدستورية، وهي إحالة لم تكن مطلبا للمحامين، وإنما تمت بمبادرة من رئيس مجلس النواب. غير أن المحكمة الدستورية لم تتمكن من ممارسة رقابتها الموضوعية على القانون، وصرحت بتعذر البت في الإحالة بسبب عدم استيفائها الشروط المسطرية اللازمة.
وهكذا وجدنا أنفسنا أمام مفارقة مؤسساتية تستحق الدراسة: فلا نحن أمام قرار دستوري يؤكد مطابقة القانون للدستور، ولا أمام قرار يقضي بعدم دستوريته، وإنما أمام تعذر حال دون ولوج المحكمة إلى جوهر الرقابة الدستورية أصلا.
وهنا يطرح سؤال جوهري: ماذا بعد؟ هل تتم إحالة القانون من جديد على المحكمة الدستورية؟ أم يكفي أن يقال إن المحكمة الدستورية تعذر عليها البت، ثم يستمر النص في مساره وكأن شيئا لم يقع؟ أم أن هذه الوضعية الاستثنائية تستوجب البحث عن مخرج دستوري ومؤسساتي يعيد القانون إلى دائرة النقاش التشريعي، خصوصا وأن الرقابة الدستورية الموضوعية لم تتم ممارستها عليه؟
في تقديري، تبرز في هذه اللحظة، وبقوة، مكنة القراءة الجديدة المنصوص عليها في الفصل 95 من الدستور باعتبارها آلية دستورية صريحة تخول للملك أن يطلب من مجلسي البرلمان أن يقرآ من جديد كل مشروع أو مقترح قانون، ولا يمكن رفض هذا الطلب.
والأهم أن القراءة الجديدة ليست مجرد مؤسسة دستورية نظرية. فالتجربة الدستورية المغربية عرفت استعمالها في عهد الملك الراحل الحسن الثاني، وبالضبط سنة 1981 حين تم التصويت النهائي على قانون استثمار جديد، وبدلا من اصدار الأمر بتنفيذ القانون، لجأ الملك الراحل الحسن الثاني الى تفعيل المقتضى الدستوري الذي كان منظما آنذاك في دستور 1972، ووجه خطابا ملكيا رسميا الى البرلمان يطلب فيه إعادة قراءة القانون قراءة جديدة. ومهما اختلف السياق الدستوري والسياسي بين سنة 1981 واليوم، فإن الدلالة التي تهمنا تظل قائمة: المصادقة البرلمانية لا تجعل النص عصيا على إعادة النظر، ولا تحول دون إعادة فتح النقاش التشريعي متى تم استعمال الآلية الدستورية المقررة لذلك.
واستحضار هذه السابقة اليوم ليس من باب المقارنة التاريخية المجردة، وإنما لكون قانون المحاماة يعيش وضعا استثنائيا يجعل إعادة النظر فيه أمرا جديرا بالبحث الجدي.
فالمحامون لم يطالبوا، في جوهر موقفهم، بإسقاط الإصلاح، وإنما طالبوا منذ البداية بمقاربة تشاركية، وبعدم التسرع في إخراج نص ينظم مهنة ترتبط بصورة مباشرة بحقوق الدفاع، وباستقلال المهنة، وبحسن سير العدالة، وبالتوازن بين مختلف مكونات منظومة العدالة. ومع ذلك، عرف المشروع مسارا سريعا، وبلغت السرعة ذروتها في مرحلته الثانية، حيث تمت القراءة الثانية والمصادقة النهائية في فترة وجيزة جدا، وانتهى الأمر بإقرار القانون في آخر وقت من عمر البرلمان.
والقراءة الثانية، في هذا السياق، كان يفترض أن تكون فرصة حقيقية لإعادة تقييم النص على ضوء ما أفرزته المناقشات داخل مجلسي البرلمان، وما أثارته المهنة من ملاحظات واعتراضات. أما أن تتحول هذه المرحلة إلى سباق مع الزمن، وأن تتم المصادقة النهائية في آخر أنفاس الولاية التشريعية، فإن ذلك يطرح سؤالا مشروعا حول ما ان كان الهدف هو أن يصدر القانون قبل انتهاء الولاية، أم أن يصدر بعد أن يستوفي شروط النضج التشريعي؟
ويزداد الأمر أهمية بالنظر إلى الحوار الذي سبق أن جرى بين رئيس الحكومة وجمعية هيئات المحامين، وما أفضى إليه من تفاهمات. ولا جدال في أن هذه التفاهمات لا يمكن أن تقيد البرلمان في ممارسة اختصاصه الدستوري، ولا يمكن أن تحل محل القانون. لكن ذلك لا ينفي قيمتها السياسية والمؤسساتية، ولا يعفي الحكومة من مسؤولية الحفاظ على الثقة التي يفترض أن يؤسس لها الحوار.
فحين تدخل الحكومة في حوار مع ممثلي مهنة معنية لها علاقة مباشرة بالنص، ثم يتم التوصل إلى تفاهمات، قبل أن يشعر الطرف الآخر بأن المسار التشريعي انتهى إلى الانقلاب عليها، فإن الإشكال لا يعود مقتصرا على مضمون بعض المواد، وإنما يتحول إلى أزمة ثقة في جدوى الحوار المؤسساتي ذاته.
والأخطر أن هذه الأزمة قد أدت إلى تعطيل مؤسسة الدفاع لمدة فاقت ثلاثة أشهر، وظهور حالات أثارت جدلا بشأن استمرار البت في قضايا جنائية في غياب الدفاع. ومهما كان التقييم القانوني لكل حالة على حدة، فإن مجرد الوصول إلى وضع يصبح فيه المتهم في قضية جنائية معرضا للمحاكمة دون دفاع في الحالات التي يوجب فيها القانون حضوره ينبغي أن يشكل إنذارا مؤسساتيا لا يمكن التعامل معه باعتباره مجرد أثر جانبي لخلاف مهني.
فالقضاء والدفاع ليسا طرفين متنافسين في منظومة العدالة، وإنما جناحان متكاملان لها؛ وإذا تعطل أحدهما، فإن الخلل لا يصيب مهنة المحاماة وحدها، وإنما يصيب العدالة ذاتها.
ورغم إحالة القانون على المحكمة الدستورية، فقد استمر تحفظ المحامين، ولم يكن هذا التحفظ نابعا من انعدام الثقة في هذه المؤسسة الدستورية، ولا من التشكيك في استقلال قضاتها أو نزاهتهم. فالمحامون، وهم رجال قانون قبل كل شيء، يدركون أن المحكمة الدستورية هي الجهة المؤهلة دستوريا لحسم مدى مطابقة النص للدستور. ولذلك لم تكن المشكلة في المحكمة، وإنما في المناخ الذي أحاط بالإحالة إليها.
فقد سبق لوزير العدل أن وجه، على الملأ، انتقادات صريحة للمحكمة الدستورية ولقضاتها، وبلغ الأمر حد التصريح أنه في بعض الأحيان تعتبر الإحالة على المحكمة الدستورية مؤشرا على «سوء حظ الوزير»، واعتبر الأمر «مشكلة» وأضاف أن «علاقته بالمحكمة الدستورية سيئة جدا ولا يخفي ذلك»، ومثل هذه التصريحات، أيا كان تقييمها السياسي، لم يكن من الممكن أن تمر دون أن تثير علامات استفهام لدى المحامين، ثم جاءت المفارقة التي كشفت صحة تخوف المحامين وتحفظهم بعدما تعذر على المحكمة الدستورية البت في الإحالة بسبب عدم استيفائها الشروط المسطرية اللازمة. وبعبارة أخرى، المحكمة التي كان يفترض أن تحسم الجدل الدستوري لم تتح لها أصلا فرصة الدخول إلى جوهر النص.
وهنا لا يجوز أن نذهب أبعد مما تسمح به الوقائع، فليس لدينا ما يثبت أن عيب الإحالة كان متعمدا، ولا أن أحدا أراد حرمان المحكمة من ممارسة اختصاصها. لكن الثابت موضوعيا أن الإحالة جاءت معيبة، وأن النتيجة كانت تعذر الرقابة الدستورية الموضوعية.
ولذلك فإن ما حدث لا يثبت صحة كل التأويلات، لكنه يؤكد شيئا أكثر دقة وأهمية: أن تحفظ المحامين لم يكن وهما، وأن تخوفهم من ألا تؤدي الإحالة إلى رقابة دستورية فعلية لم يكن بلا أساس. فقد كشفت النتيجة أن المحكمة، فعلا، لم تتمكن من ممارسة اختصاصها الموضوعي.
ومن هنا تكتسب مكنة القراءة الجديدة معناها الحقيقي، فهي ليست انتصارا لموقف المحامين، ولا هزيمة للحكومة، وإنما فرصة لإعادة القانون إلى المسار التشريعي حتى يعاد النظر فيه بهدوء، وبعيدا عن ضغط الوقت، وباستحضار آثار الأزمة على العدالة، ثم يمكن بعد ذلك أن يصل النص إلى المحكمة الدستورية، إذا توفرت شروط الإحالة، في صورة صحيحة تتيح لها أخيرا أن تقول كلمتها.
ويزداد هذا الاحتمال أهمية بالنظر إلى موقع الملك في البناء الدستوري. فالملك، من جهة، هو الجهة التي يخولها الفصل 95 طلب القراءة الجديدة، ومن جهة أخرى هو الحكم الأسمى بين المؤسسات، والساهر على حسن سيرها، وعلى حقوق وحريات المواطنين والمواطنات في إطار الاختصاصات التي يخولها الفصل 42، ومن جهة ثالثة يرأس المجلس الأعلى للسلطة القضائية وفق الفصل 56 من الدستور. ولا يعني ذلك بأي حال أن رئاسة المجلس الأعلى للسلطة القضائية تنشئ للملك اختصاصا تشريعيا إضافيا، أو تسمح بخلط الاختصاصات، وإنما يعني أن الظرف الحالي يتصل في الوقت ذاته بآلية دستورية للتشريع وبحسن سير منظومة العدالة.
وهنا تبرز مسؤولية رئيس الحكومة بصورة خاصة، فهو كان طرفا أساسيا في الحوار الذي سبق المشروع مع جمعية هيئات المحامين، والحكومة معنية مباشرة بالإصلاح التشريعي، والأزمة لم تنته بالمصادقة على القانون، بل امتدت إلى سير بعض القضايا، ثم وصلت إلى المحكمة الدستورية دون أن تتمكن من ممارسة رقابتها الموضوعية.
لذلك يصبح من المشروع، بل من الملح، طرح السؤال: هل يرفع رئيس الحكومة ملتمسا إلى جلالة الملك من أجل استعمال مكنة القراءة الجديدة التي من شأنها أن تشكل مخرجا مؤسساتيا لأزمة باتت تمس أحد أجنحة العدالة؟
فالعودة إلى البرلمان لن تكون عودة إلى نقطة الصفر، وإنما عودة إلى نقطة كان ينبغي أن تستمر فيها المراجعة والحوار. وستمنح الحكومة فرصة لإعادة بناء الثقة مع المهنة، والبرلمان فرصة لمراجعة نص أُقر في آخر وقت من ولايته، والمهنة فرصة لاستئناف الحوار، والعدالة فرصة لاستعادة توازنها، كما ستتيح، في نهاية المطاف، إعداد نص أكثر استقرارا وقابلية للتطبيق.
