انتخابات 2026 بالمغرب: المواطن يريد أن يصوّت على مشروع لا على وعود متجددة

ذ . مروان بل

في 23 شتنبر 2026، يتوجه المغاربة إلى صناديق الاقتراع لانتخاب مجلس النواب. وبينما تستعد الأحزاب لخوض السباق الانتخابي، يفرض سؤال نفسه بقوة: ماذا سيجد المواطن أمامه هذه المرة حتى يمنحه صوته بثقة؟ هل سيجد مشاريع سياسية واضحة ومختلفة، يمكن مقارنتها ومحاسبة أصحابها عليها، أم سيجد وجوهاً وشعارات وتحالفات جديدة، بينما تعود الوعود نفسها التي سمعها في استحقاقات سابقة؟

هذا السؤال لا يعني أن المواطن المغربي فقد ثقته في الانتخابات بشكل مطلق؛ فلا يمكن الجزم بذلك من دون استطلاعات وطنية حديثة وشاملة. لكنه يعكس انشغالاً حقيقياً بمصداقية العمل السياسي، خصوصاً عندما يشعر المواطن أن المشاكل التي تهم حياته اليومية ــ الشغل، والتعليم، والصحة، والقدرة الشرائية، والخدمات العمومية ــ تتغير بوتيرة أبطأ من تغير الخطابات الانتخابية. ولذلك لم يعد كافياً أن يأتي الحزب ليقول إنه سيحسن التعليم أو الصحة أو القدرة الشرائية أو سيخلق فرصاً للشغل. المواطن يريد أن يعرف: ماذا ستفعلون تحديداً؟ كم سيكلف ذلك؟ من سيموله؟ ومتى ستظهر نتائجه؟ وكيف سأعرف بعد خمس سنوات أنكم أوفيتم بما وعدتم؟

ومن الإنصاف القول إن الأحزاب لا تدخل انتخابات 2026 من دون برامج. فالتجمع الوطني للأحرار قدم عرضاً للفترة 2026-2031 يتضمن أهدافاً وإجراءات محددة، وحزب الأصالة والمعاصرة أعد برنامجه الانتخابي، فيما طرح حزب الاستقلال «عقداً سياسياً» يتضمن مجموعة من الأولويات، وتعمل أحزاب المعارضة بدورها على بلورة عروضها السياسية. لكن وجود برنامج في حد ذاته ليس هو المشكلة؛ المشكلة هي ما إذا كان هذا البرنامج يمثل عقداً سياسياً قابلاً للقياس، أم مجرد مجموعة من الأهداف العامة التي يمكن للجميع تقريباً الاتفاق عليها.

خذوا مثلاً قضية البطالة، وهي ربما أفضل اختبار لمصداقية البرامج. فقد أعلن التجمع الوطني للأحرار ضمن برنامجه الجديد هدف خفض معدل البطالة إلى أقل من 9% في أفق 2030، مع تعبئة 15 مليار درهم من الاستثمارات خلال الفترة 2026-2031 وإحداث فرص شغل جديدة. من حيث المبدأ، وجود رقم وموعد أفضل بكثير من وعد عام من قبيل «سنحارب البطالة». لكن الرقم نفسه يفرض سؤالاً سياسياً مشروعاً على الحزب الذي يقود الحكومة الحالية: ماذا حدث خلال السنوات الخمس الماضية؟ ولماذا لم تنخفض البطالة إلى المستوى الذي كان ينتظره المواطن؟ وما الذي سيتغير في السياسة المقبلة حتى تكون النتيجة مختلفة؟ ووفق معطيات المندوبية السامية للتخطيط، بلغ معدل البطالة الوطني 13.3% في الفصل الثاني من 2026، مع اعتماد منهجية جديدة لمسح سوق الشغل ينبغي أخذها بعين الاعتبار عند مقارنة السلاسل الزمنية. لذلك فإن الانتقال من هذا المستوى إلى أقل من 9% في أفق 2030 ليس مجرد شعار انتخابي؛ إنه التزام رقمي يجب أن يرافقه تفسير واضح للوسائل والتمويل والآجال. وهنا بالضبط ينبغي أن تبدأ المحاسبة: لا يمكن أن نطلب من المواطن أن يحكم على وعد 2030 من دون أن نضع أمامه حصيلة 2021-2026.

وهذه القاعدة لا تخص حزباً بعينه. الحزب الذي شارك في الحكومة مطالب بتقديم حصيلته قبل تقديم وعود جديدة، والحزب الذي كان في المعارضة مطالب بدوره بأن يشرح ما الذي كان سيفعله لو كان في موقع المسؤولية. فالمواطن لا يريد أن تبدأ كل انتخابات من الصفحة صفر؛ يريد أن يعرف ماذا وعدت الأحزاب في 2021، وما الذي تحقق، وما الذي لم يتحقق، ولماذا، وكم كلف، ثم ماذا ستغير في المرحلة المقبلة. فالبرنامج الانتخابي الحقيقي لا ينبغي أن يكون مجرد قائمة بما سنفعله، بل أيضاً تفسيراً لما فعلناه.

ومن هنا تصبح المقارنة بين الأحزاب أكثر أهمية من مجرد قراءة عناوين برامجها. الجميع تقريباً يتحدث عن التشغيل، والقدرة الشرائية، والصحة، والتعليم، والأسرة، والاستثمار ومحاربة الفساد. لكن أين يكمن الاختلاف؟ هل تختلف الأحزاب في حجم الإنفاق الاجتماعي؟ في السياسة الضريبية؟ في دور الدولة والقطاع الخاص؟ في طريقة إصلاح التعليم والصحة؟ في معالجة البطالة؟ في الأولويات الجهوية؟ إذا كانت الإجابات متشابهة، فإن المواطن سيجد صعوبة في معرفة ما الذي يميز مشروعاً عن آخر. أما إذا اختلفت الاختيارات بوضوح، وأرفق كل حزب خياراته بالأرقام والتمويل والآجال، فهنا يصبح التصويت اختياراً سياسياً حقيقياً لا مجرد اختيار للأشخاص.

وهنا تبرز أيضاً ظاهرة أخرى لا تساعد على بناء الثقة: الترحال السياسي أو ما أصبح يوصف بـ«الميركاتو» الانتخابي. شهد المشهد السياسي خلال الفترة الأخيرة انتقال عدد من المنتخبين والشخصيات من حزب إلى آخر مع اقتراب الانتخابات، وهو أمر يمكن أن يكون مشروعاً من حيث المبدأ؛ فالسياسي من حقه أن يختلف مع حزبه وأن يستقيل وأن ينضم إلى حزب آخر. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الانتقال إلى إعادة كتابة للماضي السياسي. فإذا كان مسؤول ما قد أمضى سنوات داخل حزب، ودافع عن اختياراته أو استفاد من موقعه أو شارك في تدبير المرحلة، ثم انتقل إلى حزب آخر وبدأ مباشرة في مهاجمة كل حصيلة الحزب الذي كان جزءاً منه، فإن المواطن من حقه أن يسأل: متى اكتشف أن هذه السياسات كانت خاطئة؟ ولماذا لم يقل ذلك عندما كان داخل الحزب؟ وما الذي تغير في قناعاته، وليس فقط في موقعه السياسي؟

هذه المساءلة لا تعني منع الانتقال بين الأحزاب، ولا تعني التشكيك في دوافع كل شخص يغير انتماءه. لكنها تعني أن السياسة تحتاج إلى ذاكرة. لا يمكن للمسؤول السياسي أن يطلب من المواطن أن ينسى مواقفه بالأمس بمجرد أن يرتدي لوناً حزبياً جديداً اليوم. فإذا تغيرت القناعة، فليشرح السياسي لماذا تغيرت، وما الذي تعلمه من تجربته السابقة، وما المشروع الذي أصبح يؤمن به الآن. أما الانتقال ثم مهاجمة الماضي الذي كان جزءاً منه من دون تفسير، فإنه يزيد المسافة بين المواطن والسياسة بدل أن يقلصها.

وفي مقابل هذه الظواهر، تأتي خطوة تشجيع الشباب على المشاركة السياسية كواحدة من أهم عناصر انتخابات 2026. فقد تم اعتماد آليات لدعم ترشح الشباب الذين لا تتجاوز أعمارهم 35 سنة، بما يمكن أن يصل إلى 75% من المصاريف الانتخابية المؤهلة وفق الشروط القانونية، بهدف تخفيف أحد أكبر حواجز الدخول إلى المنافسة السياسية: المال والشبكات الانتخابية. وهذه خطوة مهمة، لكنها لن تصبح تجديداً حقيقياً إلا إذا تحولت من تجديد في أعمار المرشحين إلى تجديد في طريقة ممارسة السياسة. فالشاب ليس مجرد رقم في لائحة انتخابية، كما أن تغيير متوسط أعمار البرلمان لا يعني بالضرورة تغيير طريقة التفكير داخله. المطلوب هو شباب يتمتعون بالكفاءة والاستقلالية ويحصلون على مواقع قابلة للفوز ويملكون القدرة الفعلية على المشاركة في صناعة القرار.

لكن حتى كل هذه الإصلاحات لن تكون كافية إذا ظلت الحملة الانتخابية نفسها بعيدة عن انتظارات المواطن. فالمواطن يريد نقاشاً سياسياً حقيقياً: مناظرات بين المرشحين، أرقاماً، برامج، أسئلة صعبة وأجوبة واضحة حول البطالة والتعليم والصحة والضرائب والماء والاستثمار والقدرة الشرائية. وفي المقابل، يرى على فيسبوك وإنستغرام صوراً لا تنتهي للقاءات والاستقبالات ومآدب الغداء والعشاء والتجمعات الاجتماعية. ومن الضروري هنا التمييز بين الأمرين: صورة منشورة على مواقع التواصل أو تنظيم مأدبة سياسية لا يمثل في حد ذاته دليلاً على شراء الأصوات أو ارتكاب مخالفة قانونية، ولا يجوز إطلاق مثل هذه الاتهامات من دون أدلة. لكن المشكلة ليست قانونية فقط، بل سياسية أيضاً: عندما يحتل «الفولكلور الانتخابي» مساحة أكبر في المشهد العام من البرامج والمناظرات، يشعر المواطن أن الانتخابات تتحول إلى موسم للعلاقات والصور والولائم، بينما يفترض أن تكون لحظة لمناقشة مستقبل البلد.

المواطن لا يريد أن يعرف فقط من حضر الغداء أو من جلس بجانب المرشح في الصورة؛ يريد أن يعرف ماذا سيحدث لابنه العاطل، وكيف ستتحسن مدرسته، ومتى سيحصل على علاج أفضل، ومن سيدفع تكلفة الإصلاحات، وما الذي سيختلف إذا صوت لهذا الحزب بدل ذاك. هذه هي الأسئلة التي يمكن أن تعيد للانتخابات معناها، وليس حجم التجمعات ولا عدد الصور المنشورة على مواقع التواصل.

وهذه ليست مطالبة مبالغاً فيها؛ بل تنسجم مع التوجه الرسمي الذي شدد على ضرورة أن تقدم الأحزاب برامج واضحة وواقعية، وأن تحدد الحكومة المقبلة أولوياتها وأهدافها ووسائل تمويلها وآليات تنفيذها وتقييمها. كما أن على الإعلام أن يذهب أبعد من نقل خطابات الأحزاب: دوره الحقيقي هو تفكيك البرامج، ومقارنة الوعود بالحصيلة، والتحقق من الأرقام، ومساءلة السياسيين عن الفارق بين ما قالوه بالأمس وما يقولونه اليوم.

في النهاية، لا يحتاج المواطن المغربي إلى أن يسمع أن السياسة مهمة؛ هو يعرف ذلك. ولا يحتاج إلى دعوته إلى المشاركة في الانتخابات فقط؛ بل يحتاج إلى سبب مقنع للمشاركة. وهذا السبب لا يمكن أن يكون وليمة، ولا صورة جماعية، ولا تحالفاً انتخابياً، ولا وعداً عاماً. السبب يجب أن يكون مشروعاً واضحاً يستطيع المواطن فهمه ومقارنته ومحاسبة أصحابه عليه.

لذلك فإن السؤال الحقيقي في انتخابات 23 شتنبر 2026 ليس فقط: من سيفوز؟ بل: على ماذا سيصوت المواطن؟ على الأشخاص والولاءات والتحالفات والصور، أم على مشاريع سياسية واضحة؟ وإذا كان الهدف هو استعادة الثقة في العمل السياسي، فإن الطريق يبدأ من قاعدة بسيطة: لا تطلب من المواطن أن يصدق وعداً جديداً قبل أن تشرح له ماذا فعلت بالوعد القديم.


شاهد أيضا
تعليقات
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.