العرائش نيوز :
ذ : ملروان بل
دعم النقل، إعفاءات الاستيراد ومساعدات الإنتاج.. لماذا لا يجد المواطن المغربي أثر كل هذه التدخلات في السوق؟
في سوق الخضر والفواكه، لم يعد المواطن المغربي يسأل عن نسبة التضخم، بل عن ثمن كيلوغرام الطماطم، والبطاطس، والبصل، وعن قدرته على شراء اللحوم الحمراء والبيضاء دون أن يضطر إلى التخلي عن حاجيات أخرى. فحين يصل سعر الطماطم إلى أكثر من 12 درهما في بعض الأسواق، ويبلغ سعر الدجاج أزيد من 22 درهما للكيلوغرام، وتتراوح أسعار اللحم البقري بين 120 و160 درهما بحسب السوق والجودة، يصبح الحديث عن حماية القدرة الشرائية منفصلا إلى حد كبير عن التجربة اليومية للأسر.
المشكلة ليست في غياب تدخل الدولة. فمنذ 2022، أُطلقت برامج دعم لمهنيي النقل، واتُّخذت تدابير لتشجيع استيراد المواشي واللحوم، وخُففت بعض الرسوم الجمركية على مدخلات الإنتاج الحيواني. ومع ذلك، لا تزال أسعار عدد من المواد الأساسية تثقل ميزانية الأسر. فإذا كانت الدولة تدعم النقل، وتخفف الضرائب عن الاستيراد، وتساعد الإنتاج، فمن الذي يستفيد فعليا من كل هذه التدخلات؟ ولماذا لا يشعر المستهلك بنتيجتها؟
السوق يقدم الجواب قبل التقارير
الأرقام المسجلة خلال الأيام الأخيرة تكشف حجم الضغط الذي يواجهه المستهلك. ففي 2 نونبر، بلغ سعر الطماطم في سوق الجملة بالدار البيضاء نحو 9 دراهم للكيلوغرام، مع تسجيل أسعار تجاوزت 12 درهما في بعض نقاط البيع بالتقسيط. وقبل ذلك بأيام، رصدت «Le360» أسعارا تتراوح بين 4,5 و6 دراهم للبطاطس والبصل، و4 إلى 5 دراهم للجزر، و14 إلى 15 درهما للفاصوليا الخضراء، و15 إلى 16 درهما للجلبان. أما في سوق اللحوم، فقد بلغ سعر الدجاج اللاحم بالجملة في الدار البيضاء 22,50 درهما للكيلوغرام يوم 26 أكتوبر، بينما تراوحت الأسعار الإرشادية للدجاج الحي في بعض الأسواق بين 22 و26 درهما للكيلوغرام. وبالنسبة للحوم البقر، سجلت مؤشرات الأسعار المنشورة في نهاية أكتوبر نطاقا يتراوح بين 120 و160 درهما للكيلوغرام، مع اختلاف المناطق والجودة.
هذه ليست أسعارا افتراضية ولا توقعات مستقبلية، بل رصداً لأسعار السوق خلال الفترة الأخيرة. وهي كافية لفهم ما تعنيه القدرة الشرائية عندما تتحول مشتريات عادية إلى نفقات ثقيلة. فالمواطن يواجه ارتفاعا متزامنا في مجموعة من المواد الغذائية، فيما أصبحت اللحوم الحمراء بالنسبة إلى كثير من الأسر منتجا لا يُشترى إلا في مناسبات محدودة. بينما أصبحت فاتورة السوق أصعب في التحمل.
2,488 مليار درهم لدعم النقل في تسعة أشهر.. أين يظهر أثرها؟
منذ مارس 2022، اختارت الدولة دعم مهنيي النقل الطرقي مباشرة. والهدف المعلن هو تخفيف تكاليف التشغيل حتى لا تنتقل الزيادات الكاملة في أسعار الغازوال إلى تعريفات نقل الأشخاص والبضائع، وبالتالي إلى أسعار المنتجات. وفي أحدث حصيلة مرتبطة بمشروع قانون المالية لسنة 2027، كشف تقرير التعويض عن تعبئة 2,488 مليار درهم خلال الفترة من يناير إلى شتنبر 2026 وحدها لدعم مهنيي النقل الطرقي. هذا المبلغ لا يمكن التقليل من أهميته بالنسبة إلى الناقلين الذين يواجهون ارتفاع الوقود والصيانة وبقية مصاريف التشغيل. لكن المواطن لا يسأل كم حصلت عليه الشاحنة، بل كم وفرت له هذه المساعدة عند وصول البضاعة إلى السوق. لكن المشكلة أن الحكومة لا تنشر، ضمن الحصيلة المتاحة، أرقاما تجيب عن هذه الأسئلة. ولذلك لا يمكن معرفة ما إذا كان الدعم قد منع زيادة أكبر، أو ما إذا كان جزء مهم من أثره قد بقي داخل حلقات النشاط الاقتصادي من دون أي أثر ملموس على المواطن. وهنا نصل إلى الخلل: الدولة تقيس ما دفعته للناقلين، لكنها لا تنشر ما وفرته هذه الأموال للمستهلك.
المستوردون أيضا يستفيدون من تخفيف الضرائب.. فأين انعكاس ذلك؟
ثمة جانب آخر لا يحظى بالاهتمام نفسه في النقاش العمومي، ويتعلق بالتسهيلات الجبائية والجمركية الممنوحة لعمليات استيراد المواشي واللحوم. ففي قانون المالية لسنة 2026، أقرت الدولة إعفاء مؤقتا من الضريبة على القيمة المضافة عند استيراد الأبقار الحية والإبل، في حدود 300 ألف رأس من الأبقار و10 آلاف رأس من الإبل، خلال الفترة الممتدة من فاتح يناير إلى 31 دجنبر 2026. وفي يوليوز 2026، صدر المرسوم رقم 2.26.584 الذي علق رسوم الاستيراد على الأغنام الحية واللحوم البقرية والغنم والماعز والإبل، وحدد الرسوم المتعلقة بالأحشاء في 30%، وذلك إلى غاية 31 دجنبر 2026.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد. فمشروع قانون المالية لسنة 2027 يقترح إقرار إعفاء دائم من الضريبة على القيمة المضافة عند استيراد الحيوانات الحية من فصائل الأبقار والأغنام والماعز والإبل، وكذلك اللحوم والأحشاء المرتبطة بها، سواء كانت طازجة أو مبردة أو مجمدة، إلى جانب الإعفاء من رسوم الاستيراد وبقية الضرائب والرسوم المعنية. وهناك تدبير إضافي يستحق الانتباه: يقترح المشروع تخفيض الرسوم الجمركية على بعض المواد الأولية المستوردة المستخدمة في تصنيع أعلاف الحيوانات، من نسب تبلغ 10% و30% و40% إلى 2,5%، بهدف تخفيض تكلفة إنتاج الأعلاف. ومن المفترض أن ينعكس ذلك على تكلفة تربية الماشية والدواجن إذا انتقلت الوفورات إلى المنتجين والمربين.
لكن السؤال الاجتماعي لا يتغير: الدولة تتنازل عن جزء مهم من مداخيلها الجبائية لتسهيل الاستيراد وتخفيض تكلفة الإنتاج. فما مقدار هذا التخفيض الذي يصل إلى المستهلك، خصوصا مع الارتفاع الملحوظ للأسعار واستقرارها في مستويات تاريخية؟
حين لا تنخفض الأسعار رغم تخفيف تكلفة الاستيراد
لعل اللحوم الحمراء تقدم أوضح مثال على هذه المفارقة. فبعد سنوات الجفاف وتراجع القطيع الوطني، لجأت الدولة إلى تسهيل استيراد المواشي واللحوم، في محاولة لتوسيع العرض وخفض الأسعار. لكن استمرار مستويات مرتفعة في السوق يطرح سؤالا عن فعالية هذه التدابير.
وقد رصدت «Le360» في غشت الماضي أسعارا للحم البقر تتراوح بين 90 و120 درهما للكيلوغرام، واللحم الغنمي بين 140 و160 درهما، رغم تمديد تدابير تسهيل الاستيراد. كما أشار عرض مشروع قانون المالية لسنة 2027 إلى أن سعر اللحم الغنمي بالتقسيط بلغ بين 160 و200 درهم للكيلوغرام في ماي 2026، مقابل نحو 97 درهما في بداية 2025.
انطلاقا من هذا المعطى، نفهم أن المستهلك لا يزال يواجه أسعارا مرتفعة، وأن مجرد تخفيض الضرائب على الاستيراد لا يضمن انخفاض السعر النهائي. فالمهم ليس فقط أن تدخل اللحوم إلى المغرب بكلفة ضريبية أقل، بل أن نعرف حجم الكميات المستوردة، وسعرها عند الوصول وعند التوزيع. ولا يمكن تقييم سياسة الاستيراد دون هذه المعطيات.
من يدفع الفاتورة عندما تتعدد المساعدات؟
هنا تتضح الصورة أكثر. نحن أمام عدة مستويات من التدخل العمومي:
– دعم مالي مباشر لمهنيي النقل؛
– إعفاءات ضريبية وجمركية لعمليات استيراد المواشي واللحوم؛
– تخفيضات مقترحة على رسوم استيراد بعض مدخلات الأعلاف؛
– دعم ومواكبة للمدخلات الفلاحية والإنتاج الحيواني.
كل هذه التدخلات تستهدف تخفيض تكاليف مرحلة من مراحل الإنتاج أو التوزيع. لكن المستهلك لا يشتري النقل أو الأعلاف أو المواشي المستوردة بصورة منفصلة. إنه يشتري كيلوغراما من اللحم، وكيلوغراما من الدجاج، وسلة من الخضر والفواكه بالسعر النهائي. وإذا لم تكن هناك آلية تضمن انتقال التخفيض المحصل عليه من مرحلة إلى أخرى، فقد تستفيد المؤسسات من تخفيف تكاليفها، بينما لا يحصل المواطن على تخفيض موازٍ.
وفي ظل ما يمر به المواطن من صعوبات، يجب على الحكومة تحمل مسؤولية مراقبة الأسعار وهوامش التوزيع، ونشر البيانات التي تسمح للمواطن بفهم ما يحدث. فالمطلوب أن تثبت أن الأموال والتنازلات الضريبية التي تقدمها تحقق الغرض المعلن منها لا أن تتحكم في تجديد كل سعر، أو أن تتحمل وحدها كل تقلب في السوق. فلا يعقل أن يكون لدى الدولة نظام دقيق لحساب ما تصرفه، بينما يظل أثر هذه النفقات على المواطن بلا قياس منشور.
المغاربة اليوم لا يطلبون معجزة اقتصادية. إنهم يريدون أن يستطيعوا اقتناء حاجياتهم الأساسية دون أن تتحول زيارة السوق إلى عملية حسابية مؤلمة في كل شهر. فالدعم لا يصبح سياسة ناجحة بمجرد تحويل الأموال، والإعفاء الضريبي لا يصبح إجراء ناجحا بمجرد تخفيض رسوم الاستيراد.
النجاح الحقيقي هو أن تنخفض كلفة السلعة أو على الأقل أن تتوقف عن الارتفاع غير المبرر، وأن يشعر المواطن بأن المال العام الذي أنفقته الدولة قد خفف فعلا من فاتورته. ويبقى السؤال الأكثر أهمية : كم درهما وفرت كل هذه المساعدات للمواطن المغربي؟ ومن سيقدم له الحساب؟
