العرائش نيوز :
الأستاذ : إبراهيم الحداد
محام بهيئة طنجة
لا أحد يختلف حول خطورة الاعتداء على رجال الشرطة، ولا يمكن لأي موقف مسؤول أن يتسامح مع العنف الموجه ضدهم وهم يؤدون واجبهم في حماية الأشخاص والممتلكات وضمان الأمن العام، بل إن الاعتداء على رجل أمن أثناء مزاولته لمهامه اعتداء على مؤسسة الأمن وعلى حق المجتمع في الطمأنينة.
لكن الدفاع عن المؤسسة الأمنية لا يعني منح أي تصرف يصدر عن بعض منتسبيها حصانة من المساءلة، كما أن رفض الاعتداء على رجال الشرطة لا ينبغي أن يتحول إلى قبول غير مشروط بكل رواية ترد في محضر رسمي، مهما كانت خطورتها، ومهما ترتبت عنها من آثار على حرية الأشخاص وسمعتهم ومستقبلهم.
إن احترام رجال الأمن يقتضي أيضا احترام القانون، واحترام القانون يقتضي أن تكون الحقيقة هي المرجع، لا مجرد الصفة المهنية لمن يسرد الوقائع.
وفي هذا السياق، تثير وقائع شهدتها مدينة العرائش، خلال أقل من أسبوع، أسئلة جدية تستحق البحث والتقصي، ليس بقصد التشهير بأحد أو إصدار أحكام مسبقة، وإنما دفاعا عن قرينة البراءة، وعن مصداقية العمل الأمني، وعن قدسية المحضر باعتباره وثيقة يفترض أن تنقل الوقائع كما حدثت، لا كما يراد لها أن تظهر.
ففي الواقعة الأولى، جرى الحديث عن تعرض عناصر أمنية لمحاولة اعتداء بواسطة سلاح أبيض متوسط الحجم، والتلويح به في وجههم، وهي رواية انتهت إلى توقيف شخص ووضعه في مواجهة اتهامات بالغة الخطورة. غير أن تسجيل فيديو وثق الواقعة كشف صورة مغايرة تماما لما ورد في الرواية المنسوبة إلى عناصر الشرطة، وأثار تناقضا جوهريا بين ما تم تدوينه وما أظهرته الصورة.
وفي واقعة ثانية، لا يفصلها عن الأولى سوى أيام قليلة، جرى توقيف شخص آخر على خلفية ادعاء تعرض عنصرين من الشرطة للكم أثناء مزاولة مهامهما، وأدلى العنصران بشهادتين طبيتين تحددان مدة العجز في واحد وعشرين يوما لكل منهما. لكن تسجيل فيديو كاميرا احدى المحلات التجارية نسف واقعة الاعتداء الموصوفة، بل ناقض الرواية التي بنيت عليها المتابعة، في الوقت الذي يطرح فيه استمرار الشرطيين في مزاولة عملهما بصورة اعتيادية تساؤلات إضافية حول ظروف تحرير الشهادتين الطبيتين ومدى تطابقها مع حقيقة الإصابات المدعى بها.
ان المحضر ليس حقيقة مطلقة، والصفة الأمنية ليست دليلا على صحة الرواية، ومن أخطر ما يمكن أن يصيب العدالة الجنائية أن تتحول المحاضر، التي يفترض أن تكون وسيلة لإثبات الوقائع، إلى روايات لا تصمد أمام أول دليل موضوعي يعرض عليها.
فالمحضر الرسمي يحظى بما يقرره القانون من حجية، لكن هذه الحجية ليست تفويضا بتجاوز الدليل المضاد، ولا تعني أن ما يرد فيه يصبح حقيقة غير قابلة للمناقشة، فالمتهم لا يفقد قرينة البراءة لمجرد أن من وجه إليه الاتهام يحمل صفة رجل أمن، كما أن رجل الشرطة، مهما كانت صفته ومهما كانت خطورة المهام التي يضطلع بها، لا ينبغي أن يكون بمنأى عن التحقق من أقواله.
وإذا كان من واجب النيابة العامة أن تتعامل بجدية مع ادعاءات الاعتداء على موظفي القوة العمومية، فإن من واجبها، بالقدر نفسه، ألا تسمح بترتيب آثار جنائية على وقائع لم تخضع للتحقق الكافي، خصوصا عندما تكون هناك تسجيلات مرئية يمكن أن تحسم الخلاف.
إن الحرية الفردية ليست مجالا للتجريب، والزج بشخص في مسطرة جنائية بناء على رواية تناقضها تسجيلات كاميرات المراقبة ليس مجرد خطأ في تقدير الوقائع، بل مسألة تمس جوهر ضمانات المحاكمة العادلة.
أين كاميرات التصوير المحمولة التي يفترض أن توثق التدخلات الأمنية؟ ولماذا لا يتم تفعيلها عند هذه التدخلات؟ خصوصا وأن هذه الوسيلة تعتبر ضمانة مزدوجة تحمي الشرطي من الادعاءات الكاذبة التي قد تستهدفه، وتحمي المواطن من أي تجاوز أو رواية غير مطابقة لما وقع، وتساعد النيابة العامة والمحكمة على إعادة بناء الواقعة بصورة موضوعية، وتعزز ثقة المواطنين في المؤسسة الأمنية وفي محاضرها.
فلماذا نترك المجال لتضارب الروايات، بينما أصبحت وسائل التوثيق متاحة، وأصبحت الصورة قادرة على كشف ما قد تعجز عنه عشرات الصفحات من المحاضر؟
إن الكاميرا ليست خصما لرجل الأمن، بل قد تكون أقوى وسيلة للدفاع عنه عندما يكون صادقا في روايته.
وأين دور النيابة العامة في البحث عن الحقيقة باعتبارها الجهة التي تشرف على أعمال الشرطة القضائية وتسهر على التطبيق السليم للقانون.
ففي الواقعتين موضوع النقاش، إذا كانت تسجيلات كاميرات المراقبة المثبتة بالشارع قادرة على توضيح حقيقة ما جرى، فلماذا لا يكون الرجوع إليها من أولويات البحث، قبل ترتيب الآثار القانونية على تصريحات الأطراف؟
ولماذا لا يتم التحفظ على التسجيلات فورا، قبل أن تضيع بسبب مدة الاحتفاظ المحدودة بها؟
إن المادة 57 من قانون المسطرة الجنائية، تفرض على ضابط الشرطة القضائية المحافظة على الأدلة القابلة للاندثار، وكل ما من شأنه المساعدة على إظهار الحقيقة، كما تنص على رفع الآثار الرقمية وحجز التسجيلات السمعية البصرية من مكان ارتكاب الجريمة.
وهذا المقتضى يطرح مسؤولية مهنية وقانونية واضحة، اذ لا يجوز أن ينصب البحث على جمع العناصر التي تؤيد رواية الاتهام وحدها، مع إغفال الأدلة التي قد تنفيها أو تنقضها.
فالنيابة العامة ليست مطالبة بالبحث عن أدلة الإدانة فقط، وإنما بإدارة بحث جدي ونزيه غايته الوصول إلى الحقيقة، سواء كانت في مصلحة الاتهام أو في مصلحة الدفاع.
وإذا كانت التسجيلات متاحة، فإن عدم الاطلاع عليها، رغم وجود تناقض جوهري في الروايات، يطرح سؤالا مشروعا حول مدى استيفاء البحث لشروط الموضوعية والتجرد.
إن المؤسسة الأمنية أكبر من أن تتضرر من مساءلة تصرف فردي، وأقوى من أن تحتاج إلى تحصين روايات غير دقيقة حتى تحافظ على هيبتها، بل إن هيبة الأمن الحقيقية تستمد قوتها من احترام القانون، ومن نزاهة منتسبيه، ومن ثقة المواطن في أن من يحميه لا يمكن أن يتحول إلى مصدر للظلم.
إنني لا أدعو إلى التشكيك في رجال الشرطة، ولا إلى التساهل مع من يعتدي عليهم، وإنما أدعو إلى وضع الجميع أمام القانون، دون امتيازات مهنية أو افتراضات مسبقة.
فالشرطي الذي يتعرض للاعتداء يستحق الحماية والإنصاف، والمواطن الذي يتعرض لاتهام غير صحيح يستحق الحماية والإنصاف أيضا، وتناولي لهذا الموضوع ليس استهدافا للمؤسسة الأمنية، بل دفاع عن مصداقيتها، وعن النيابة العامة باعتبارها حارسة للشرعية.
وتظل ثقتي راسخة في القضاء باعتباره الحارس الأخير للحقوق والحريات، لكشف الحقيقة، كما يظل أملي معقودا على المؤسسة الأمنية لفتح بحث اداري جدي ومسؤول للتحقق من ملابسات هذه الوقائع وترتيب الاثار القانونية والإدارية اللازمة.
