بقلم: الأستاذ المصطفى اجديعة
العرائش مدينة – المستثنى بإلا-
من مدينة حالمة تستحم بضباب المحيط إلى مدينة منكوبة مستباحة بل ومغتصبة في عنفوانها وبراءتها … إنها اليوم طفلة حافية القدمين، تستجدي العابرين، وتنام شريدة طريدة على أشواك زمن ليس بزمانها… وبملء فيها تصيح ولا من مجيب.
العرائش المدينة التي قال عنها أحد الملوك الأسبان “أعطيني العرائش وخذ باقي إفريقيا”.
تاهت عن الطريق واختطفت، ولم يبق سوى مشهد سوريالي، لايمت للواقع بصلة، ولكنه هنا والآن فإنه الواقع بعينه… في شوارعها المتعددة الأسماء، تتجول كلاب فرادى وجماعات، تستوقفك وهي تتشابك فيما بينها حول حفاظة أطفال راسمة على الجدران والممرات لوحات، إن شئت زيتية أو مائية وحدهم فنانو مجالس الإستثناء يستطيعون قراءة تعابيرها وأشكالها ذات الأبعاد … بغل تائه في الشارع الطويل، يعرقل حركة السير وسط ضجيج من المنبهات… أطفال الشوارع يتفرغون له بعدما يتحولون إلى منظمي حركة السير وهم يتفننون في إيلامه بعصوات طويلة خوفا من ركلاته… معتوهون ومشردون تجدهم في المداخل والأطراف، ينتشرون في كل الاتجاهات بحثا عما يقتاتون به من حاويات ملأى بقمامات متعفنة متروكة لحالها منذ مدة، وفي الهزيع الأول أو الأخير، وفي هدأة ليل رطب وبارد، عربات تجرها خيول تجول الدروب، ينتقي أصحابها ما يحتاجونه من قمامة، وتبدأ عملية الفرز والخيول تلسعها السياط، فتتهاوى الأكياس السوداء وسط الشوارع كي تدوسها العجلات، مخلفة آثارا تقشعر لها النفوس، ويكون أول منظر مقزز يستقبلك في الصباح وأنت ذاهب إلى عملك… شوارع وأزقة تحولت إلى أسواق خضر ينسحب أصحابها تاركين أكواما من القمامات والأكياس. الناس مطالبون بأداء ضريبة النظافة…
غابة من أروع الفضاءات المطلة على المحيط، ارتكبت في حقها أكبر جريمة إذ أغرقت بكاملها بأطنان من الأزبال والقاذورات في غياب تام لأي مراقبة أو إحساس بالمسؤولية.
إنها العرائش الجريمة المصلوبة تحت أقدام المهرولين والمتهافتين، فلا إحساس بالمسؤولية، ولا صحوة ولا ضمير.
