العرائش نيوز:
فقراء يحجون فوق السحاب إلى ضريح مولاي عبد السلام
زهور باقي
عن هسبريس
“ممنوع المشي فوق الفرشي بالأحذية” أول لافتة تصادف الزائر في رحلة استكشاف المكان الذي تغطيه فرشة فلينية تثبتها أوتاد حديدية على المساحة المحيطة بالضريح، زائرون يحملون أحذيتهم في يد و”الباروك” في يد أخرى، متجهين حفاة إلى ضريح مصبوغ سوره بالأبيض ونافذته بالأخضر، حيث تتزاحم عشرات الأيادي لوضع الشموع على الجدران، شباك في الأسفل يمكنك من إطلالة على قبر تحجبه شجرة كبيرة اختارت أن تنمو لصيقة به، رائحة ماء الزهر في كل مكان ، وأصوات الأدعية والأمداح النبوية تخترق الفضاء في جو تطبعه الاحتفالية.
رجال ونساء يقبلون السور، يرتلون بعض الأدعية قبل أن يجلسوا في درج غير بعيد عنه، ينتشون بآيات من القرآن يتهافت فقهاء على تلاوتها. مجموعات مبعثرة هنا وهناك من أجل استقطاب أكبر عدد من الوافدين، مقابل مبلغ من المال لا يحددونه، مكتفين بـ “اللي كتب الله”.
على طول العقبة المؤدية للضريح شموع وماء زهر وحناء، إضافة إلى بعض المنتوجات الخاصة بالمنطقة معروضة للبيع. شباب يصطادون زوارا ليرافقوهم إلى الأماكن المحيطة بالضريح، وفتيات يطاردن بأسئلتهن زائرات المنطقة ” هل تريدين نقش الحناء؟”. فيما يحوم المتسولون حول الزائر. هكذا هي الأجواء في ضريح مولاي عبد السلام الذي يرقد على جبل العلم ببني عروس، بعيدا بحوالي 50 كيلومترا عن تطوان من جهة، وشفشاون من جهة أخرى. الحج في الإسلام لمن استطاع إليه سبيلا، ومن لم يستطع فسبيله إلى “مولاي عبسلام” كما ينطقها أهل المنطقة.
“شايلاه أمولاي عبسلام“
يحج إلى مولاي عبد السلام من 50 إلى 60 ألف زائر خلال الموسم السنوي في 15 شعبان، ويستمر من ثلاثة أيام إلى أسبوع. وجاء تقليد الاحتفال به في إطار حدث ديني أو ما يسمى “النسخة” الذي يصادف 15 شعبان، إذ يحتفل المغاربة بيوم صيامهم. في القديم كان الناس “يصبغون” منازلهم بالأبيض، يطبخون الأكل ويعجنون خبزا من أجل استقبال الوفود التي تحج إلى الموسم مجانا، فتجد أناسا من أقصى الشمال يربطون علاقة صداقة بأناس من أقصى الجنوب، بفضل هذه الموسم” يقول السي سلام، قبل أن يضيف ” الأبواب كانت مفتوحة وشعارها ادخل مرحبا بك أنت وعائلتك” متحسرا على الوضع الحالي، إذ أصبحت منطقة مولاي عبد السلام مصدر رزق لسماسرة وأصحاب عقار، يكترونها ويخضعونها لمنطق السوق السوداء كلما اشتد الطلب، مفرغين الموسم من قيم التضامن والتعاون التي كانت تسود قديما.
ومن نوستالجيا الزمن الأصيل، يتذكر السي سلام حلقات تجمع الفقهاء والأئمة لتلاوة القرآن على ضوء الشموع قبل أن تصل الإنارة العمومية للمنطقة. ” تصور مساحة تضم 900 شخص يرتلون القرآن والأمداح النبوية وسط الشموع، فأثناء رؤيتهم من بعيد يظهرون لك تماما كنجم التبانة’ يقول السي سلام وعلامات التأثر بادية على وجهه، تتكرر الاحتفالية كل موسم “نسخة”، قبل أن يتصادف هذا الأخير مع الثلوج وتساقط الأمطار، وتسبب ذلك في تزايد حوادث السير لينضاف موعد سنوي آخر لمريدي الحج إلى “مولاي عبد السلام بن مشيش” كل فاتح يوليوز، إذ يحج عشاق التعبد من داخل وخارج المغرب للتجمع وترديد الأذكار. وهو موسم للتنزه أكثر منه للتعبد.
التسول فن وإدمان
بمجرد ما ينزل الوافد من وسيلة نقله ويضع قدميه على الأرض، حتى تتربص به أيدي ممدودة من كل جانب ” شي بركة في وجه السيد” أو ” شي هدية للسيد”، إنهم لا يطلبون الصدقة، فهي لا تجوز في حق أهل البيت كما يقولون، الناس هنا كلهم يدعون النسب الشريف، وغيرها من العبارات التي حفظها المتسولون ويرددونها مرات عديدة في الدقيقة الواحدة، أطفال ونساء وشيوخ يتسولون إلى حد الإزعاج. ولا يملون من الهرولة وراء الزائر لعدة أمتار، صاعدين معه العقبة المؤدية إلى الضريح دون أن يفقدوا الأمل في رحمته، وغالبية الزوار ينتهي بهم المطاف إلى الاستسلام أمام أيديهم والتصدق عليهم ببعض الدريهمات للتخلص من مضايقتهم. التسول في مولاي بوسلهام فن يتطلب الأمل والبراعة وحسن الكلام في مواجهة زائر يستلزمه الصبر، وبرودة الدم وطول النفس لكي لا يعود إلى دياره مفلسا، وما أن ينتهي المتسولون من مهمتهم حتى يمر الزائر إلى المرحلة الثانية من “تصفية الجيوب” عند الوصول إلى الضريح، حيث التسول هذه المرة بالآيات القرآنية، يجتمع حفظة القرآن والأئمة الذين يبتزونك بعبارات ” قرا شي بركة القران للسيد”.
غالبية هؤلاء المتسولين يتحدرون من المناطق والقرى المحيطة بالمجال الغابوي، ليست لهم أراض فلاحية يعتمدون عليها، فانتقلوا إلى القرية للاستفادة من الرواج الاقتصادي خلال المواسم. يقول شاب يشتغل مرشدا متطوعا ” كيكلوها باردة” وباستدراك، يبرر ذلك بعدم وجود بديل، والحاجة إلى توفير المال مقابل الغذاء. ويضيف قائلا ” أبناء المنطقة لا خوف منهم، لكن وجب الانتباه في أيام المواسم، حيث يكثر الزحام وتختلط المناطق وتزداد عمليات السرقة والنصب والاحتيال”.
التسول فن لكنه إدمان وهوس أيضا، إذ تعيش عائلات بأكملها على التسول، ورغم تحسن وضعيتهم المالية إلا أنهم يستمرون في ذلك، وغالبا العائلات المتسولة هي الأكثر إنجابا لأطفال صغار سيصبحون فقراء كبار.
الصخور الناطقة
ضريح “مولاي عبد السلام” قبلة للتعبد، فيما الأحجار المحيطة به لها رأي آخر ينطق بالخرافة، غير بعيد عن الضريح توجد ” العروسة البكاية” أو “العروسة الممسوخة”، التي تحكي أسطورة امرأة تزوجت من رجل خاشع وتعاهدا على الوفاء والمحبة، سافر بعد مدة في مهمة بعيدا عنها ليصل إليه في غيابه أنها تخونه، ناقضة العهد الذي ضربته يوم زفافها، بعد غضب الرجل تحولت إلى صخرة ضخمة تبكي ندما على فعلتها ويظهر ذلك من خلال القطرات التي تنزل من سقف الصخرة، مخلفة جدولا من المياه. وتتوافد على الصخرة نساء يزغردن ويهللن ويغنين على إيقاعات شعبية، وبمجرد ما تبدأ “العروسة” في البكاء حتى يطلقن العنان لأمنياتهن، فيجلبن مناديل يمسحن بها المياه متمنيات الزواج وتحقق الأمنيات. العروس الصخرة لا تبكي إلا بعد أن تتجمع عليها “أمة لا إله إلا الله” تتسبب في سخونة المكان وارتفاع درجة الرطوبة ويؤدي ذلك إلى قطرات تتساقط من سقف الصخرة في منظر شبيه بالبكاء.
غير بعيد عن “العروسة البكاية”، تنتصب صخرتان كبيرتان يتوسطهما فج صغير بمثابة “ممر السخط أو الرضى”، يجتمع عدد من الشبان حول صديق لهم يحاول أن يمر من المعبر الضيق جدا في اختبار لمدى رضاه لوالديه. الشاب الذي “حصل” في الممر غير قادر على التقدم أو التأخر، ارتفع ضغطه وانتفخ جسمه مسببا له صعوبة في الحركة. يحتاج للخبرة والمرونة اللازمتين للمرور بسلامة وكسب رضى والديه، وخرج بصعوبة محمر الوجه، بعد أن خسر التحدي وسط نظرات السخرية وعبارات ” فلتي أمسخوط الوالدين”. معتقدين أنها المحك الرئيسي للكشف عن الرضى والسخط ، لأن كل من مر من بين هاتين الصخرتين بسلام، حسب معتقداتهم، مرضي وعكس ذلك يوحي بالسخط.
أما إذا كنت ترغب في تحقيق أمنيتك، فما عليك إلا التوجه إلى “صخرة الأمنيات”، وطلب أمنية معينة وتحقيقها لن يكلفك إلا القدرة على بناء 7 أحجار فوق بعضها البعض بنجاح.
الصلاة المشيشية
قسمت حياة مولاي عبد السلام إلى ثلاث مراحل حسب بعض المؤرخين: سخر المرحلة الأولى منها للحياة العلمية، فنهل من علوم النقل وعلوم القوم ما نهل، وفي المرحلة الثانية جعل اشتغاله بتربية أولاده الأربعة تربية صوفية، دون أن يغفل جانب الجهاد منه، فكان راعيا، وخادما لأهله، مستعدا ومتحمسا للشهادة من أجل دينه ووطنه. أما المرحلة الثالثة فقد كانت مسك الختام، إذ أفناها في الخلوة والعبادة والزهد.
وأهم ما خلفه مولاي عبد السلام الصلاة المشيشية فهي جوهرة طريقه الفريدة، وأكبر بصمة تركها خالدة بعد مماته، وهي عبارة عن نص فريد من بين “التصليات” التي سجلها أدب التصوف منذ أواخر القرن السادس الهجري حتى الآن، في عباراته المنتقاة، ومعانيه الراقية، التي تنساب في رقة وعذوبة، محملة بدفق الإيمان وصفاء المحبة، التي ما إن تخالطها الروح وتستعذبها المسامع، حتى تحلق بصاحبها في أجواء من السمو، وملكوت الجمال، لقد اشتهرت الصلاة المشيشية بجمال معناها، وجلال مبناها، إذ عكف كثير من العلماء على شرحها وإيضاحها.
