العرائش نيوز:
العرائش، المدينة التي كانت مزهرية فأصبحت “مزبلة”
عبد النبي التليدي
لوحظ أخيرا إنزال عدد كبير من البشر الغير المرغوب فيه بصفتهم مشردين ومجانين… في شوارع مدينة العرائش.
فهل أصبحت هذه المدينة “مزبلة” لبعض البشر بعد أن صارت مزبلة حقيقية للنفايات وبعد أن كانت مدينة الجمال والذوق الرفيع؟
من لا يعرف مدينة العرائش التاريخ البعيد والحديث قد لا يستغرب الوضعية القبيحة التي أصبحت عليها في جميع مجالاتها العمرانية والإجتماعية والإقتصادية والبيئية منذ بداية العشرين سنة الأخيرة حين صارت تشهد تدهورا عاما على جميع المستويات لا يتوقف.
فمدينة العرائش التي عشقها الفنيقيون وأسسوا بها مدينة ليكسوس (الشميس) التي ما زالت بعض آثارها التي صمدت في وجه المهربين للآثار والمتاجرين فيه، تشهد المستوى الحضاري الراقي الذي كانت عليه بفعل البحبوحة الإقتصادية والإجتماعية التي وصلتها بفضل موقعها على وادي اللوكوس وما يضمه من سهول خصبة وإطلالها على البحر الذي استغلت خيراته صيدا وتجارة وملاحة.
ومدينة العرائش التي كانت إلى وقت ليس ببعيد في السبعينيات والثمانينيات معملا حقيقيا لجميع أنواع الإقتصاد من صيد يستغل في تصدير الأسماك وتشميسها بمختلف الطرق ومزروعات مختلفة تحول مواد غذائية، وسوقا تجارية للمغرب وللخارج يضرب به وبمنتوجاتها الأمثال، ومجتمعا غنيا منتجا ومستهلكا متجانسا يعيش الرفاهية رغم وجود أغلب الناس فيه من الطبقة العاملة لكنها كانت ذات حقوق محترمة ومتوفرة على حظها من خبرات المدينة وبالمجان في كثير من الأحيان والمجالات ومنها الأسماك بمختلف أنواعها والخضر الوفيرة التي كانت تؤخذ بالمجان أيضا في الميناء والضيعات ورغم خضوع ذلك للأجانب وبالخصوص منهم الإسبان.
ومدينة العرائش التي كانت فعلا مجسما ذا روعة تضاهي أجمل المدن الإسبانية كمدريد لذلك سماها الإسبان “مدريد الصغيرة” لتناسق التصميم العام لها وخضوعه لهندسة فنية هادفة إلى تحقيق الروعة في المنظر والجمال في الحس والصحة في الجسم.
وكمثال على ذلك موقع ساحة إسبانيا التي أصبحت تسمى ساحة التحرير بعد الإستقلال كانت بقعة جمالية بامتياز بفضل نافوراتها الرائعة بأسودها وأشجار النخيل الإثنتى عشرة المنتظمة كالساعة بالإضافة إلى إنفتاحها مباشرة على الشرفة الأطلسية Balcon Atlantico، لا تفصل بينهما إلا بناية منخفضة العلو قصدا هي “دار إسبانيا”Casa de España“ التي بنيت لتكون ناديا عاما للمدينة ولأنشطتها الإجتماعية وللمناسبات على الأساس ألا تمنع نظر الواقف في ساحة التحرير إلى المحيط الأطلسي بخلاف البناية المرتفعة التي أقيمت بذل هذا النادي في السنوات الأخيرة إرضاءا للجشع العقاري.
ومدينة العرائش التي كانت تتوفر على حديقة يضرب بها المثل في جمال المنظر والنظافة والهدوء والروائح المنبعثة من ورودها وأزهارها المختلفة كانت تسمى حديقة القردة Jardin de Chita لتوفرها على قفص به قردة جميلة، ويحرصها أسدان عند مدخلها (كادا أن يختفيا أخيرا منها)، لذلك كان يقصدها الشباب والشابات الإسبان والمغاربة لإستشعار الرومانسية والحب العفيف والنظيف كانت بمثابة مدرسة في هذا الشأن لعدد من الشبان والشابات وقتئذ، ففيها تعلمت معنى الرومانسية.
وفي مدينة العرائش كانت توجد أربع دور للسينما بنيت على أساس تحقيق الجمالية والراحة لمرتديها كانت تعرض فيها أفضل الأفلام في شروط هادئة وراقية، إثنان فيها في الشارع العام الطويل حيث تقرر إلغاؤهما لصالح أصحاب العقار الذين لا تهمهم مصلحة المدينة ورونقها بقدر ما تهمهم مصالحهم الذاتية الصرفة. وفي هذا الشارع أيضا كانت توجد مقاهي ومتاجر لن تنس ما كانت تقدمه من مشروبات ساخنة كالقهوة للذّتها والإخلاص في طهيها.
هذه بعض من ذكرياتي ومشاهدتي كواحد من اللّذين تربوا ودرسوا وعملوا بها وتأثروا بعاداتها عن مدينتي الجميلة العرائش التي يحق لها أن تفتخر بإسمها وتاريخها العريق الذي لن يندثر مهما حاول خصومها ذلك.
فمن أجهز على هذه المدينة ولماذا، حتى أصبحت “مدينة بلا قانون” كما تسمى ومدينة “الأزبال” كما تنعت ومدينة “الناموس” كما تعرف؟
سأحاول الإجابة عن هذا لاحقا.
