العرائش نيوز:
“مصّاصُو الدّماء”
بقلم: شفيرة حميد (بوعيون)
في عمر لا يتجاوز العشر سنوات عندما شاهدت لافتة معلقة بجدران سينما أبيندا بمدينة العرائش، تحمل صورة أحد أشهر الممثلين حين ذاك في أوائل السبعينات، كتب فوقها بخط واضح، عنوان الفلم “Dracula” فتملكتني رغبة قوية في مشاهدة هذه القصة التي تحكي عن حياة مصاصي الدماء…
فهرعت إلى البيت دون توقف، وعند وصولي أمرتني جدتي كي أعود حالا إلى دكان الحي لأقتني لها بعض حاجيات البيت، فأطعتها ولبيت طلبها، وحتى تلبي هي الأخرى طلبي، وتمنحني ثمن التذكرة لمشاهدة الفيلم الذي أثار انتباهي وإعجابي… فقمت بكل ما طلبته مني لكنها رفضت طلبي بشدة، فتوسلت إليها وإستعطفتها إلى أن بكيت كي أحصل على هذا المبلغ الضئيل، ثلاثون فرنك قديما أي ما يعادل ثلاثون سنتيما حاليا، وبإلحاح شديد وبكاء وعويل حصلت على ثمن التذكرة، وكانت الساعة تشير إلى الثالثة الا ربع بعد الزوال، ولم أستطيع إنتظار وجبة الغذاء حتى الرابعة والنصف أو الخامسة مساءا، لأنه من عادات الكثير من الأسر العرائشية التأخر في القيام من النوم والغذاء، وحتى لا تفوتني مشاهدة الرواية التي ستبدأ في الثالثة بعد الزوال، اتجهت مباشرة إلى المطبخ وأخذت قطعة خبز ملأتُها بالزيت والسكر تم أسرعت إلى شباك التذاكر، فحصلت على تذكرتي ثم ولجت قاعة السينما وجلست بمقعد قريب من الشاشة الكبيرة…
وبعد لحظات، إنطفأت الأنوار، وخيم الصمت والسكون، وبدأت الكتابة تظهر وتغيب معلنة عن بداية الفيلم الذي تدور أحداثه عن رجل يتضح من رؤيته نهارا كأنه قديس بطيبوبته وصدقه وهدوءه وكذا حسن معاملته مع الجميع، ثم ينقلب ليلا إلى وحش ضار، بداخله شيطان شرير، لا يرحم أحدا، يمتص دم كل من صادفه في طريقه، رجل أو إمرأة، كبيرا أو صغيرا، فاستغربت لهذا المخلوق ذو الوجهين والذي لا يهمه سوى إشباع ذاته من دماء الضعفاء… فملأ الرعب والخوف في قلوب المشاهدين وبدأت دقاتها تسمع من بعيد، وتجمد الجميع في مقاعدهم، حيث لا يبدون أي حركة، كأنهم تماثيل بإحدى المتاحف…
إنتهت أحداث الفيلم، فاشتعلت الأضواء، وخرج الكل مطأطئين رؤوسهم، مصدومين ومرعوبين من هول ما شاهدوه… وحتى لا أطيل عليكم في سرد وقائع القصة، سأكتفي بما أثار إنتباهي، فكيف لكائن بشري يستطيع أن يشرب من دم أخيه البشر؟ كما أنني قد تعجبت من نفسي لأني لم أخف ولم أرتعش مثل الأخرين، لكنني بقيت في حيرة من أمري، وتقاطرت العديد من التساؤلات على مخيلتي.. أيوجد مصّاصُو دماء حقيقيون؟ وكيف لشخص نبيل يتحول لشيطان شرير؟ أيوجد أناس مثله عندنا؟
ومع مرور الزمن، وبعد أن كبرت وترعرعت، بدأت كل الخبايا والأسرار تتضح أمامي وتمكنت من فهم الألغاز ومعاني الرواية التي شاهدتها، وتأكدت أنها الحقيقة الممزوجة بقليل من الخيال، وعرفت أنه في زمننا الحاضر مصاصُو دماء من نوع آخر، أغنياء وأقوياء ملهمون بسفك دماء الفقراء والضعفاء، يسلبون ثرواتهم، يحتلون ويفوتون أراضيهم، وما من بقعة في الأرض تركوها عذراء، يمتصون عرق جبين المنكوبين، ثم يذيقونهم من الذل والهوان ما لا يطاق هؤلاء المنافقون، يضحكون في وجوه الكادحين ثم يطعنونهم في ظهورهم، يبنون لهم قصورا من سراب، كلما اقتربوا منها بعدت عنهم… ويضعون من ثقتهم العمياء وجهل بعضهم جسور، يعبرون فوقها إلى بر الأمان حيث توجد أهدافهم وهي كثيرة… ثم يتنكرون لهم، ويتحولون إلى عفاريت وتماسيح تمتص دماء الفقراء.. يبيعون لهم الأوهام، ويسرقون منهم الأحلام، ويطبقون المثل الشعبي الذي يقول “يبعون القرد ويضحكون عن من إشتراه”…أليس هؤلاء هم مصاصو الدماء الحقيقيون؟ يسرقون وينهبون، تم يحرمون الحلال ويبيحون المحضور… ويعيثون في الأرض فسادا.. هؤلاء المصاصين هم القوم الفاسدين.. لعنهم الله إلى يوم الدين..
لمصاصي الدماء بمدينتي أسماء ووجوه وعناوين، وروايتهم أبشع بكثير من رواية “Dracula” سنخطها لاحقا لقرائنا، حفظا لتاريخنا وإنصافا لفقراء مدينتنا… (يتبع)
