العرائش نيوز:
“إخوانُ مصرْ يأكلونَ الحصرمَ وحماسْ ومعهَا الغزيويُون يضرسونْ”.
بقلم: عبد النبي التليدي
بهذه الجملة افتتح السفير السابق في القاهرة والإعلامي والمستشار وعضو منظمة التحرير الفلسطينية فتح نبيل عمرو مقاله تحت عنوان “حكاية فك الإرتباط بين إخوان مصر وحماس” الذي أثارني في شكلها ومضمونها لما احتوياه من تشف طافح بحالة الإخوان في مصر وحماس في غزة “دون أن يقدر أحد منهما على مساعدة فعالة إلى الآخر…” “إنه مغرم بلا مغنم” حسب تعبيره وبذلك “فإن مصيبة حماس تبدو أعظم وأعقد، إذ تنحصر داخل مثلث ضيق، حاد الإطلاع، وذلك في وقت ابتعد فيه خلفاؤها الأساسيون” حسب تعبيره، أيضا ويقصد بذلك سوريا وإيران وحزب الله مما لاشك فيه.
ومن تحريض ثابت ضدها وضد إخوان مصر كما يسميهم مستشهدا بما “بحوزة النظام الجديد في مصر من كثير من القرائن التي تؤكد ضلوع الإخوان في أعمال عنف واضحة، إلا أن القرينة الأهم تجسدت في ذلك الإعلان الغشيم والسقيم الذي أطلقه قادة الإخوان أثناء فض اعتصام رابعة والنهضة، حين ربطوا أعمال العنف في سيناء بما حل بهم في القاهرة، وأعلنوا بتصريح العبارة… “إنه في اللحظة التي يتراجع فيها الإنقلابيون عن انقلابهم”، فإن كل هذه الأعمال سوف تتوقف.
إنه مقال لمواطن من فلسطين عضو في حركة “فتح” ومن العاملين في السلطة والمدافعين عن الخط التفاوضي للرئيس الفلسطيني محمود عباس يظهر إلى أي حد فرقت الأهواء والمصالح أفراد الشعب الفلسطيني إلى جماعات ورمت ببعضهم في هذا الخندق الآسن حيث تم دفن مبادئ وقيم الثورة الفلسطينية التي كانت مجيدة، وأهدافِها وإنها “لثورة حتى النصر” مقابل حياة البعض القليل في البذخ والترف والعيش المادي بالأموال المغدقة من هذه الجهة وتلك في شكل مساعدات للشعب الفلسطيني الذي أصبح شعبا يعيش على المساعدات ويا له من عيش شعب ! وتعويضات للسلطة الفلسطينية التي أصبحت “دولة فلسطين”.
ورمت بالبعض الآخر في شاطئ الصمود في وجه الحصار والتصدي لكل أسباب التخلي عن حقوق الشعب الفلسطيني التاريخية في قيام دولته المستقلة على كامل فلسطين وعاصمتها القدس الشريف وبكل ما أوتي “الغزيويون” من عزم الرجال وإرادة المؤمنين بقضيتهم رغم الفقر وانعدام الوسائل والضرب من الخلف ونعتهم “بالسذاجة المفرطة” وكان الذهاء في نظره هو الضحك على ذقون شعب ينتمي إليه عضوا والتخلي عن ثوابت القضية الفلسطينية التي كانت مقدسة والركوب على معاناة الفلسطينيين أطفالا وشيوخا ونساء وشبابا وعلى أبسط حقوقهم الإنسانية في الرزق والصحة والتعليم ومن أجل مآرب خاصة تضره في الدنيا ولا تنفعه في الآخرة.
لذلك فإن نبيل عمرو كان عليه أن يعنون مقاله “بحكاية فك الارتباط بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية” بعد أن اقتنع الجميع القريب والبعيد وحتى الذين دفعوا توقيع اتفاقية أوسلو سنة 1993 ودافعوا عن المسلسل الطويل للمفاوضات الإسرائيلية الفلسطينية بلا جدوى هذه السياسة، ولا نهاية لمسلسل أدخل قضية فلسطين في نفق لا أمل بالخروج منه إلا ميتة، لا قدر الله ذلك، وهو المصير الذي تعمل من أجله إسرائيل بكل الوسائل الغير مشروعة وبدون وازع أو تردد ومعها أعداء الثورة في الوطن العربي الذين رأوا فيها خطرا على مصالحهم الضيقة وعلى مصيرهم لذلك ربطوه بقوى الاستعمار والإمبريالية وتحالفوا في الخفاء ثم في الظاهر بعد ذلك مع الصهيونية واستعانوا بكل أساليب الشر والقتل ونشر الفتن انطلاقا من مبدأ الغاية تبرر الوسيلة دون اعتبار للدين أو للأخلاق ولا لواجبات الإنسان تجاه أخيه الإنسان أو حمية العرب تجاه العربي، واستعملوا لذلك المال وصنعوا الإرهاب وسخروا الإعلام وتعاونوا في إطار مخابراتي جديد ومشترك لتدمير هذا الوطن ومقوماته انخرطت في هذا التدمير مع الأسف قوى أخرى التي اعتبرت نفسها مهددة ومصالحها الإستراتيجية في خطر وهي القوى التي وصفها صاحب المقال بالحلفاء الأساسيين لحماس التي نأت بنفسها عن هذه الصراعات المدمرة وهو ما يحسب لها لا عليها وقوَّى من الإحترام لها والتعاطف معها والتقدير لمبادئها التي لا تتبدل وما بدلوا تبديلا.
وأيضا بعد أن كانت نتيجة مفاوضات السلام الإستسلام بل الإستسلام لشروط إسرائيل بما فيها التعجيزية إلى السلطة الفلسطينية من خلال وزير الخارجية الأمريكية وهي الاعتراف مجددا بإسرائيل كدولة أولا وكدولة يهودية ثانيا مما يعني طرد مليون ونصف مليون عربي من المناطق المحتلة عام 1948 باعتبارهم غير يهود لأن الأرض لليهود فقط، واستبعاد حق العودة نهائيا أو اعتبار القدس عاصمة للدولة الفلسطينية مستقبلا ! والتسليم بحق إسرائيل في ضم منطقة الغور حفاظا على أمنها وسيطرتها على الحدود مع الأردن، وأخيرا وليس آخرا القبول بمبدأ تبادل السكان كخطوة تالية لمبدأ تبادل الأراضي، وهي شروط وضعت السلطة الفلسطينية داخل مثلث ضيق حاد الإطلاع ليس من السهل على السلطة الفلسطينية الخروج منه إلا مستسلمة للعدو وبدون شرف.
وكذلك لما صارت عليه الأوضاع العامة لسكان فلسطين سياسيا حيث لا أمل في قيام دولة فلسطين كاملة السيادة أو قل كما يقال في لغتهم “قابلة للحياة” بجانب الدولة الإسرائيلية اليهودية.
وإداريا حيث السلطة الفلسطينية في رام الله وسلطة حماس في غزة نتيجة تلكإ نبيل عمرو ومن وراءه من نتائج الإنتخابات الحرة والديمقراطية بشهادة المجتمع الدولي التي بوأت حماس المرتبة الأول فيها كما تلكأ أعداء مصر من الإنتخابات الحرة والنزيهة التي لا سابق لها في تاريخها الضارب في القدم وأسفرت بإرادة شعبية لا جدال فيها عن فوز الإخوان المسلمين في الإنتخابات التشريعية والزعيم محمد مرسي باسم حزب الحرية والعدالة برئاسة مصر ما بعد ثورة 25 يناير 2011.
واقتصاديا حيث يوجد شعب يقتات على موائد الآخرين في شكل مساعدات وتعويضات دون وجود مقومات لبنية اقتصادية مما انعكس سلبا على الأوضاع الاجتماعية كاملة كالصحة حيث ارتفعت نسبة الوفيات والتعليم الذي تدهور تدهورا لم يسبق له مثيل بعد أن كان المستوى التعليمي في فلسطين مشرفا ورائدا على المستوى العربي ودول العالم الثالث، والخدمات التي لا يمكن الحديث عنها بالإضافة إلى الدخل المنخفض ونسبة النمو التي لا أساس لها.
المعضلة كبيرة كما يلاحظ المراقبون وكما يقر بذلك قادة السلطة الفلسطينية أنفسهم وأنصارها وداعموها، إلا أن خروج السلطة من هذه المعضلة توازي فرص عودة فلسطين كل فلسطين في ظل النهج التفاوضي المتبع ونتائجه، وعلى من يهوى إجراء الحسابات أن يحسب وأن يسأل: “أي معادلة يمكن أن تحقق مستحيلا كهذا ؟”.
هكذا كان على نبيل عمرو أن ينهي مقاله لو كان موضوعيا وناصحا لنفسه ولغيره عوض أن يتوقع تمديد فترة المفاوضات مع إسرائيل ويبشر بإمكانية اعتراف القيادة بيهودية الدولة.
