العرائش نيوز:
الصداع والشقيقة: الدليل الكامل
تصيب آلام الرأس غالبية الناس. فنحو 80% من مجمل السكان يصابون بألم الرأس (الصداع) مرة واحدة في العام على الأقل. لدى ربع الناس، يكون الألم مزعجا لدرجة تدفعهم إلى تناول الأدوية المسكنة للألم، لكن لدى قلة قليلة من الناس فقط، يستدعي الأمر التوجه إلى الطبيب من أجل تلقي العلاج. ليست كل أنواع الصداع متشابهة، فهنالك فرق بين مصدرها، شدتها وطريقة علاجها.
ما الذي يؤلم؟
يبدو، للوهلة الأولى، أن الدماغ هو الذي يؤلمنا. لكن الحقيقة تختلف بعض الشيء. فأغشية الدماغ والأوعية الدموية الكبيرة التي تغذيه تحتوي على الكثير من المستقبلات الحسية للألم. وعليه، فان الألم الصادر من داخل الجمجمة، يحدث نتيجة تحفيز غشاء الدماغ، أو بسبب الضغط على الأوعية الدموية. أما مصادر الألم الأخرى فقد تكون من أماكن وأعضاء مختلفة موجودة خارج الجمجمة، مثل العينين، العضلات، الجيوب الأنفية وحتى مفاصل الفكين.
ما هي أنواع الألم؟
هنالك نوعان من الألم: آلام الرأس الأولية، وهي الآلام التي تحصل تلقائيا وليس بسبب مرض ما. بالإضافة إليها، هنالك آلام الرأس الثانوية التي تعتبر آثارا جانبية مرافقة لأمراض معينة، أو ناجمة عنها، حيث يتمثل علاجها في معالجة المرض نفسه. من هذه الأمراض: التهاب الجيوب الأنفية، آلام الأسنان ومشاكلها وغيرها الكثير.
صداع التوتر:
هذا الصداع هو ألم رأس عادي، ولا يتوجه أغلب الأشخاص الذين يصابون به إلى الطبيب، نظرا لأنهم يعرفون أنه عندما تنتهي حالة التوتر التي يعانون منها أو عندما يتناولون مسكنات الآلام العادية، سيزول هذا الألم. صحيح أن هذا الصداع هو من النوع العابر، الا ان بعض حالات الصداع قد تتحول الى “كوابيس”، ومن الممكن ان تتحول الى حالات مزمنة. من الممكن ان يتواصل الالم لعدة ساعات وحتى ايام، وقد تزداد وتيرته، ابتداء من اربع مرات في الاسبوع وصولا الى نوبات يومية من الصداع المزعج. الصداع النابع من التوتر هو الم موزع، يمكن الاحساس به احيانا وكانه يحيط بالراس كله من جميع الجهات، واحيانا كانه خوذة تغطي الرأس من الأعلى، وأحيانا كأنه ثقل كبير واقع على الرأس. من الممكن ان يكون هذا الصداع مصحوبا بالغثيان، لكنه لا يكون مصحوبا بالقيء او بعدم القدرة على تحمل الضوء او الضجيج.
الشقيقة (الصداع النصفي – Migraine):
يعتبر هذا النوع من الصداع اكثر انواع الصداع الاولي انتشارا وشهرة. اسمه مشتق من اللغة اليونانية: Hemicrania (نصف الراس). وفعلا، فان معظم الذين يعانون من الشقيقة يشكون من الم في احد نصفي الراس. تبلغ نسبة النساء اللاتي تعانين من الشقيقة ما بين 21% و 23%، بينما لا تتعدى هذه النسبة لدى الرجال الـ 10% حتى 12%. اما نسبة الأطفال الذين يعانون من الشقيقة فتصل الى 4%، دون ملاحظة فروق جدية بين البنين والبنات في هذه المرحلة العمرية. تبدا نسبة الاصابة بالشقيقة بين الفتيات بالارتفاع على خلفية هورمونية مع بدء النضوج الجنسي، مع اقتراب الحيض الاول.
ويبدو ان الشقيقة هي مرض وراثي. فقد اكتشف مؤخرا ان لدى نصف المصابين بالنمط المحدد من الشقيقة، المعروف باسم الشقيقة الفالجية (الشللية) هنالك خللا في الكروموزوم رقم 19، كما ان هنالك اثباتات اخرى على وجود اضطرابات جينية اخرى قد تسبب الشقيقة. وحتى يومنا هذا، لا يزال تشخيص الشقيقة عملية سريرية، اي ان على الطبيب الاعتماد على شكاوى المريض واقواله، وليست هنالك اية اعراض بيولوجية محددة بامكانها الاشارة الى الاصابة بالشقيقة.
تعرف الشقيقة بانها ألم رأس “هجومي”، يكون في العادة ألما “نابضا” ويصيب جهة واحدة من الرأس، يستمر ما بين 4 ساعات و 72 ساعة، ويكون مصحوبا بالغثيان او القيء او عدم احتمال الضوء او الضجيج، بل حتى عدم تحمل بعض الروائح. ويكون الالم، في الغالب، متوسطا (معتدلا) حتى شديدا، ويتفاقم مع بذل المجهود. في نحو 10% – 20% من الحالات، تسبق الاصابة بالام الرأس حالات من القصور العصبي، وبالاساس اضطرابات في الرؤية (اضواء قوية، رؤية خطوط متعرجة، بقع، وحتى العمى الكامل)، بالاضافة الى الشعور بالخدر، الضعف، اضطرابات الكلام، وحتى اضطرابات في التوازن. يطلق على هذه الظاهرة اسم “الاورة” (Aura) وهي تستمر لفترة 20 دقيقة تقريبا.
هنالك العديد من الاسباب التي من الممكن ان تحفز نوبة الصداع النصفي (الشقيقة). تشمل هذه المحفزات ما يلي: التوتر، نقص النوم او فرط النوم، الدورة الشهرية، بعض انواع الاغذية (النبيذ الاحمر، الجبنة الصفراء، الشوكولاطة، وغيرها)، كما ان هنالك علاقة بين تغير حالة الطقس وبين حالات الشقيقة. وعادة ما يكون علاج الشقيقة علاجا دوائيا، ومن المهم جدا ان يكون الدواء المعطى مخصصا لمعالجة الشقيقة تحديدا. كذلك، فان هنالك فرقا بين العلاج الذي يتم استخدامه خلال نوبات الالم وبين العلاج الوقائي.
الشقيقة الطفيفة حتى المتوسطة: يعاني معظم المصابين بالشقيقة من حالات توصف بالطفيفة حتى المتوسطة. اليوم، هنالك بعض انواع الادوية المخصصة لمعالجة الشقيقة ولا تحتاج الى وصفة طبيب. تحتوي هذه الادوية على تركيبة مميزة من المواد الفعالة مثل الاسبيرين، الباراسيتامول، واضافات الكافيين التي تزيد من فعاليتها. هذه الادوية تباع منذ سنوات طويلة في الولايات المتحدة واوروبا، وتوصي بها العديد من الجهات الصحية الرائدة في انحاء العالم لمعالجة الشقيقة الطفيفة حتى المتوسطة (علاج اولي). تكون الادوية اكثر فاعلية عندما يتم تناولها في بداية النوبة، وتكون فاعليتها افضل كلما تم تناولها ابكر.
الشقيقة الحادة: لمعالجة نوبات الشقيقة، هنالك خمسة ادوية تريبتانية (Triptans): ريليرت (Relert)، ناراميج (Naramig)، زولميتريبتان (Zolmitriptan)، ريزالت (Rizalt) وايميتريكس (Imitrex). تعمل هذه الادوية على المستقبلات الحسية للسيروتونين في جدران الاوعية الدموية واطراف الاعصاب.
يعتبر العلاج بهذه الادوية ناجعا بنسبة تتراوح بين 70% و 80% من الحالات. بالامكان تناول بعض هذه الادوية على شكل حقنة، بخاخ او قرص ذائب. هنالك بعض المرضى الذين يضطرون للتوجه الى غرف الطوارئ في المستشفيات حيث يتلقون حقنة تحتوي على احد الادوية المذكورة.
يتم اعطاء العلاج الوقائي عندما تكون وتيرة النوبات مرتفعة (اكثر من 4 نوبات في الشهر)، وكذلك عندما تكون النوبات متواصلة، او عندما لا تستجيب للعلاج بالادوية التريبتانية.
هنالك عدة ادوية يتم استخدامها كعلاجات وقائية، منها ادوية خفض ضغط الدم، مضادات الاكتئاب، مضادات الصرع، وحتى حقن الليدوكائين (Lidocaine) والبوتوكس في بعض النقاط المحددة من الراس والعنق.
الصداع العنقودي:
هذا الصداع هو احد اشد انواع ألم الرأس. يكون هذا الألم في جهة واحدة، دائما، محيطا بالعين، في منطقة الوجنة، واحيانا في منطقة الفك الاعلى عند زاوية الفك الاسفل. يستمر الألم بين 30 دقيقة و3 ساعات (45 دقيقة بالمعدل) ويكون مصحوبا بذرف الدموع، احمرار ملتحمة العين، هبوط الجفن، سيلان الانف او حتى الشعور بانسداد منخر الانف في الجهة المؤلمة. يظهر هذا الالم لفترة ما قبل ان يختفي ليعاود الظهور بعد نحو نصف سنة، سنة، او حتى بضع سنوات، ومن هنا ياتي اسمه. خلال فترة الاصابة بالصداع، من الممكن ان تكون النوبات يومية، بل من الممكن ان تحصل خمس مرات في اليوم – من مرة واحدة حتى ثلاث مرات في اليوم، غالبا – ومن المتعارف عليه ان هذه النوبات تؤدي الى استيقاظ المريض من النوم بعد ان يغفو بنحو ساعة ونصف الساعة، او خلال ساعات الفجر الاولى (خلال مرحلة حركة العينين السريعة من النوم). ينتشر الصداع العنقودي بشكل اوسع بين الرجال، ومن الممكن ان يحصل في اية مرحلة من العمر. يتم علاج نوبة الصداع نفسها من خلال جعل المريض يستنشق كمية من الاكسجين او من خلال حقن مواد تريبتانية، مثلما يحصل في علاج الشقيقة.
