عمق الإشكال الحزبي

العرائش نيوز:

عمق الإشكال الحزبي

ابوسمير

أن نكون مستعدين داخل إطاراتنا السياسية للتعامل بنوع من الحزم والصرامة اللازمين مع الإشكالات التنظيمية، وأن نكون في مستوى التطلع إلى غد أفضل على مستويات التنظيم، معناه أن نكون على درجة من الوعي اللازم بالتموقع في سكة تلمس سبل المعرفة والتفكير والممارسة السياسية في زمن وشروط وظروف حالتنا السياسية الممارسة في هذا المحيط الذي ننتمي إليه ونتحرك داخله ونتفاعل مع معطياته الثابتة والمتحولة.

لا يمكن تحفيز المواطنين ولا القواعد الحزبية، ولا يمكن استنهاض القوى لما ينتظر المغرب في المستقبل القريب، إذا لم تتم عملية إشراك الجميع فيما تقوم به الأحزاب السياسية وتفعله في المشهد السياسي. بالرغم من أن عملية الإشراك هذه في إبداع ممارسة سياسية وتقدمها بشكل آخر ومغاير وغير تقليدي هي عملية مثيرة ومقلقة في الآن نفسه.

وهذا النوع من الانفتاح، بالرغم من أنه يلقي بمسؤوليات جسام على الأحزاب، إلا أنه ضروري لتجاوز استلاب المواطنين والقواعد الحزبية الممارسة، هذا الاستلاب الذي يعد مشكلة كبرى وعميقة في الممارسة السياسية الميدانية.

فالمواطن الذي يعتبر قاعدة ارتكاز البنيات الحزبية، والذي يعتبر فاعلا سياسيا بامتياز، لا يمكنه التعلم والتدرب على تحمل مسؤولية الممارسة والتفكير السياسيين، إلا من خلال الممارسة الميدانية ذاتها. ولسوء الحظ فإن الأحزاب في حالتنا الوطنية أصبحت في وضعية “منع” فاعليها من تجريب الأفكار والآراء والمواقف والتقديرات المغايرة والجديدة عما هو قائم. لذلك قد يلجأ المواطن إلى تفجير قدراته وكفاءاته خارج الإطارات والمؤسسات السياسية.

وهذا ما يمكنه تفسير فشل الممارسة السياسية في جزء ليس بالهين من تفاصيلها وجزئياتها، وفيما يرتبط بها من ممارسات تنظيمية وتواصلية وتكوينية … إلخ، على مستويات البناء الذاتي للإطارات الحزبية، التي لا تعمل على إعطاء الأهمية اللازمة لمبدأ التحفيز الضروري واللازم لعنصرها البشري ولأطرها وطاقاتها وكفاءاتها وقدراتها الفكرية والسياسية والتنظيمية.

فالفاعلون في الشأن الحزبي داخل الإطارات السياسية المغربية ليسوا على القدر الكافي من الاندماج في الهياكل والبنيات المؤسساتية للأحزاب، ولا حتى في عمليات البحث والتفكير والممارسة السياسية لهذه المؤسسات، التي من المفروض أن تكون متسمة بالجدية والمسؤولية والحزم على مستوى إتاحة الفرص للطاقات والكفاءات الحزبية والانفتاح على غير المتحزبة.

بل إن هذه الطاقات والكفاءات في الغالب الأعم من منظور الأحزاب عبارة عن موارد بشرية لتخزين الآراء والمواقف، ولاستقبال وتقبل المعطيات الجاهزة غير القابلة للنقاش والتبلور والتطوير.

حتى مفهوم الزمن أصبح بفعل الممارسة السياسية السائدة في أوساط “الفاعلين السياسيين” لا معنى ولا تأثير له في سياق التقلبات السياسية الدولية والجهوية والوطنية. بل وحتى مفهوم السياسة أضحى مختزلا في بعده الروتيني المناساباتي المرتبط بالانتخابات، بل ويشكل مهمة مستعصية مرفوضة من قبل المواطنين، ومفروضة عليهم من خلال الأصوات المملة والرتيبة لـ”البرامج السياسية الانتخابية” لمختلف الأطراف في الساحة السياسية.

لقد تولد نوع من الوعي الجمعي بأنه مهما نظّر المفكرون والباحثون وحاضروا بخصوص أهمية السياسة والفعل السياسي في حياة الدولة والمجتمع، فإن ذلك لن يشكل سوى تعبيرا عن فشل التفكير والممارسة السياسية في تحفيز ممتهنيها واستقطاب المواطنين للإقبال على ما يراد تلقينه من تصورات وآراء ومواقف سياسية داخل مختلف الهياكل الحزبية.

مشكل التحفيز يوجد في صميم الأزمة الراهنة للممارسة السياسية في بلادنا، والتعامل معه من طرف “الفاعلين السياسيين” لا يتعدى سقف اعتباره عنصرا خارجا عن فعل السياسة. فمشكل الانتخابات وإشكالية التمثيلية داخل مختلف هياكل الدولة أو الحزب ذاته يتم اعتبارها وسائل محفزة، في حين هي بعيدة عن فعل السياسة في بلادنا، وهي أقرب إلى نظام توزيع “الامتياز”، وبهذا تصبح الأحزاب السياسية خارج سياق لعب دور التجديد والتغيير اللذين تفرضهما حتمية التطور داخل أي مجتمع.

هناك شبه إقرار بالأزمة الناتجة عن مقاومة المواطنين للممارسة السياسية الحالية؛ فالدولة لا زالت ترفض نسبيا القيام بتغيير حقيقي في التوجهات والاختيارات السياسية الكبرى، بالرغم من الإقدام على بعض الخطوات الإيجابية المحدودة. والمواطنون لا زالوا يرفضون المشاركة أو المساهمة في الإنتاج من داخل هذه التوجهات والاختيارات.

وبذلك أصبحت السياسة العامة ومجمل السياسات العمومية من جهة، وضعف فاعلية الأحزاب السياسية من جهة أخرى، يؤديان إلى لعب دور التحفيز ضد التفكير والممارسة السياسية الحازمة والجدية، وهي الوضعية التي أوصلتنا إلى مأزق تفسير الجهات الرسمية لذلك بعجز وضعف المواطنين والأحزاب والإطارات التعبوية، وهو التأويل الذي لا زال يؤدي إلى عدم النفاذ إلى عمق الإشكال السياسي بالمغرب.

أضحى المواطن يرى أنه من السذاجة الخضوع لقواعد سياسية لا يستفيد منها، وأصبح الناشئون في المجال السياسي يرون أنهم لا يحظون بالاحترام ولا بالتقدير من طرف “الفاعلين السياسيين”، بل لقد أصبح الممارسون السياسيون يحسون بعدم جدوى تمثيليتهم للفئات والشرائح الاجتماعية، لأنها غير ذات اعتبار من طرف القيادات الحزبية في تحمل المسؤوليات والتدرج في احتلال مواقع حزبية محلية وجهوية ووطنية، بل إن ذلك أصبح مرهونا بدرجات الولاء والقرب والزبونية والمحسوبية داخل نفس البنية الحزبية الواحدة.

فغياب الأشكال المتعددة للتحفيز داخل المؤسسات الحزبية المغربية يهدد منذ وقت ليس بالقصير المجتمع والدولة برمتهما، وأصبح بمثابة سيف مسلط عليهما. ومعلوم أن المواطنين غير المحفزين داخل مجتمعاتهم من خلال المؤسسات القائمة يكون لديهم الاستعداد، بل والقدرة على أن يكونوا جد محفزين خارجها، وضمن جماعات لا هم لها سوى تقويض الأسس التي بإمكانها المساهمة والمشاركة في بناء الدولة والمجتمع.

إن أهم ما يمكن أن تكون الساحة السياسية المغربية في حاجة ماسة إليه اليوم هو أن تدرك القيادات السياسية كيف وبأية سرعة يمكنها أن تتعرف على حاجات وإكراهات وتحديات وطموحات المواطنين المغاربة، وأن تعتمد على قصر تصميم برامجها السياسية ووسمها بالمرونة اللازمة، لأنها بكل بساطة غير خاضعة لتخطيط أو هندسة دقيقة غير قابلة للتجاوز. وأن تعي بأن المواطنين يكونون جد محفزين خارج سيرورة البرامج السياسية المعدة سلفا من قبل “مكاتب الخبرة”، أي عندما تكون البرامج السياسية جاهزة بشكل كلي ومسبق، وأن تعي بأن نقد ما هو مسطر من توجيهات واختيارات وبرامج في أدبيات الأحزاب لا ينبغي نعته بالتمرد أو الجهل.

إن الواقعية السياسية في بلادنا اليوم، تقتضي الوعي العميق بطبيعة وشكل التفكير والممارسة السياسيتين التي ينبغي استشراف الأفق المستقبلي للمغرب بواسطتهما، وبأنواع الإشكالات التنظيمية الحزبية المعرقلة التي يجب تجاوزها، وبأشكال التحرك والتفاعل اللذين تفرضهما معطيات حالتنا الوطنية الثابتة والمتحولة.

 


شاهد أيضا
تعليقات
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.