العرائش نيوز:
بقلم: عزيز قنجاع
4- مدينة العرائش والعودة إلى مسرح التاريخ:
لكن ما راعنا و نحن نتتبع إخبار هذه الواقعة التي لم يرد ذكرها ضمن المتون التاريخية المغربية الكبرى هو غياب مدينة العرائش في هذه المرحلة التاريخية ويطرح السؤال هنا بإلحاحية كبرى: لِم لَم تلعب العرائش أي دور عسكري في معركة “لاكراسيوسا”؟ فلولا الإشارات البرتغالية القليلة التي تسمي نهر اللوكوس بنهر العرائش، وخصوصا الرسالة التي استعنا بها هنا والتي بعثها ملك البرتغال خوان الثاني إلى البابا “انوصانت الثامن” لاعتقدنا جازمين أن مدينة العرائش لم تكن قد بنيت بعد، وهو الأمر الذي وقع فيه المؤرخ المغربي الكبير عبد الوهاب بنمنصور عند تحقيقه لمخطوط محمد الكراسي “عروسة المسائل” التي اعتمدناها كمصدر لهذه الدراسة، حيث قال هذا المحقق الكبير والمؤرخ الفذ ” العرائش لم تكن موجودة آنذاك” بدون تثبيت أو تحقق. ونحن بالمقابل نميل إلى الاعتقاد أن العرائش آنذاك كانت خالية من السكان بعد التهديدات الجدية التي كانت تتلقاها من البرتغاليين بعد احتلال أصيلا، ثم إن ما ذكرناه سالف عن العرائش في نص الوزان عند ذكره للمليحة وأحداث المعركة، يقول ”في الوقت الذي كانت فيه طنجة و أصيلا خاضعتين للمغاربة كانت العرائش كثيرة السكان، لكن بعدما سقطت هاتان المدينتان في يد النصارى، غدت العرائش مهجورة إلى ما يقرب من عشرين سنة من أيامنا هذه”. و بالعودة إلى تاريخ تأليف كتاب “وصف إفريقيا” الذي ألفه الحسن الوزان بإيطاليا بطلب من البابا ليون العاشر والذي يوافق سنة ،1526 فإن مدينة العرائش أعيد بناؤها أو تعميرها بداية القرن السادس عشر بعد أن بقيت خالية لمدة ما يناهز الأربعين سنة، و ليست مدينة العرائش وحدها التي أخلاها سكانها بل كذلك مجموعة من التجمعات السكانية على مجرى نهر اللوكوس كالمليحة ونارنجة، و أكلا، والحمر، وغيرها وهي كلها قرى قريبة من العرائش كانت على ضفة النهر. و يؤكد هذا الزعم هو عدم قيام البرتغاليين بالاستيلاء على مدينة العرائش كمحطة استراتيجية ضرورية لإمكانية الاستيلاء على جزيرة المليحة، بالإضافة إلى سكوت المصادر البرتغالية والمغربية عن أية عملية مقاومة للبوارج الحربية التي كانت تمخر في اتجاه الوادي من البحر، بل حتى الخطة الحربية للسلطان الوطاسي لم تشمل تحريك الآليات الدفاعية لمدينة العرائش على اعتبار إشرافها المباشر على مدخل الميناء مما يفسر خلو العرائش آنذاك من أية قيمة حربية ولم تكن تشكل أي تهديد عسكري للملاحة البرتغالية بمصب نهر اللوكوس، لذا بحث البرتغال عن مكان متقدم في النهر يقطع الطريق على مؤن مملكة فاس الحربية عن مهاجمة أصيلة و باقي الثغور ..طنجة و القصر الصغير و سبتة.

وفي تتبعنا للأخبار التي ذكرها برناردو رودريغيز وهو مواطن برتغالي ترعرع بمدينة أصيلا و كتب حولياته بدقة بالغة وبتفاصيل كثيرة غطت الأحداث الحاصلة من سنة 1508 إلى سنة 1535 حيث لا نجد ذكرا لمدينة العرائش إلا عرضا ودون أهمية تذكر، بل إن حضور بني كرفط كتجمع سكاني كبير بالمنطقة كان لها دور كبير في الحروب ضد البرتغال. وتشير عملية توقيع معاهدة السلام بعد معركة المليحة بموقع تشميس او شميس وهي التسمية المغربية لمدينة ليكسوس يشير إلى غياب أي نواة معمارية بمدينة العرائش آنذاك لعقد اجتماعات من هذا الحجم بين ممثلي الدولتين. وفي نفس السياق يذكر أحمد بن خالد الناصري في كتابه “الاستقصا لأخبار دول المغرب الاقصا” المجلد الثاني، عند حديثه عن احتلال البرتغال للثغور المغربية ” و استحوذ عدو الله –يقصد البرتغال – على بلاد الهبط و ضايقهم بها حتى انحازوا إلى الأمصار المنزوية عن الأطراف والقرى النائية عن السواحل” مما يؤكد شمول ظاهرة إخلاء المدن و التجمعات القريبة من مناطق الاشتباك مع البرتغاليين. لا شك أن الوطاسيين بعد معركة المليحة انتبهوا لأهمية إعمار العرائش وتحصينها و هو الأمر الذي سيقوم به لاحقا في عهد ابن محمد الشيخ الوطاسي الملك محمد الملقب بالبرتغالي كما أشار إلى ذلك الوزان حين قال ” غدت العرائش مهجورة إلى ما يقرب من عشرين سنة من أيامنا هذه، حيث عزم احد أبناء ملك فاس” الناصر الوطاسي” على إعادة تعميرها، فحصنها تحصينا قويا وأقام بها حامية عسكرية دائمة مزودة بالأقوات اللازمة لأنه كان شديد الحذر من البرتغاليين، “حيث ستلعب مدينة العرائش منذ ذاك التاريخ دورا رياديا على مسرح التاريخ العالمي. وهذا ما يدفعنا للحديث عن مدينة العرائش بعد المليحة في العهد الوطاسي
