العرائش نيوز:
بقلم: عزيز قنجاع
الحملة الفرنسية على العرائش: النصر العسكري و السياسي للملك محمد الثالث
وضعية العرائش قبل الحملة الفرنسية:

كانت العرائش حينما اعتلى المولى محمد بن عبد الله العرش المغربي خالية تماما ومخربة و بدون أية معالم مدينية وهذا ما يؤكده نص للناصري يؤرخ لمرحلة ما قبل الحملة الفرنسية عن العرائش يقول فيه “وبعد زيارة سيدي محمد لكل من تطاوين وطنجة سنة إلف ومائة و ثلاث و سبعين سار إلى العرائش فألفاها خالية ليس بها إلا نحو المائتين من أهل الريف تحت كنف أهل الغرب. فولى عبد السلام بن علي وعدي، ثم أنزل بها مائة من عبيد مكناسة”، ولنا شهادة أسير فرنسي Bidé de Maurville الذي قال إن العرائش مدينة صغيرة قليلة البنايات لا تشبه في شيء ما يقرأ عنها، فقسم كبير منها مغطى بخرائب والباقي هو عبارة عن بيوت حقيرة أو منازل مبنية من أنقاض دور أخرى تهدمت”، وهذا ما يؤكد وجهة نظرنا في كون العرائش لم تعرف كباقي مدن المغرب استقرارا بشريا دائما، فتاريخها هو تاريخ ترحالها، وإفراغها وإعادة تعميرها ويضيف دي مورفيل “كانت المدينة محاطة بخنادق وأسوار وتحصينات على نمط الهندسة الأوروبية، ومحمية بثلاثة حصون شيدها الإسبان وتتداخل أبنيتها مع بقايا حصون مغربية إلى عهد مولانا ناصر الوطاسي وهذه المنشآت عموما كانت في حالة يرثى لها. فالحصن الأول الموجود عند مصب نهر لوكوس يحمل اسم سان انطونيو الذي أطلقه عليه الإسبان، وظيفته هي حماية الميناء ومدخله وقد تعرض لعملية تخريب بنيران المدافع و القنابل التي أتت على جزء كبير منه، وكان للحصن الثاني الموجود بالقرب من الأول نفس الوظيفة الدفاعية، أما الحصن الثالث المسمى سانتا مارية، فهو أكثرهم أهمية، ويحمي المدينة من جهة اليابسة له خندق مزدوج، وسور أيضا مزدوج وباب من حديد، وأغلب مدافعها هي تلك التي تركها الإسبان بعدما غادروا المدينة، وفي هذه الوضعية السكانية والدفاعية الهشة سيأتي الهجوم الفرنسي على العرائش.

أسباب الهجوم الفرنسي على العرائش:
تعود الأسباب المباشرة للهجوم الفرنسي على ثغر العرائش حسبما ذكره خالد الناصري في كتابه “الاستقصا في اخبار دول المغرب الأقصى” أن السلطان سيدي محمد بن عبد الله كان له ولوع بالجهاد في البحر، واتخذ لذلك قراصين حربية تكون في غالب الأوقات بمرسى العدوتين ومرسى العرائش” وقد عرفت مرسى العرائش على عهده نشاطا تجاريا جهاديا كثيفا فقد أضحت على عهده و لمدة طويلة بوابة المغرب التجارية والديبلوماسية حيث أصبحت كل الدول لها تمثيليتها الديبلوماسية بالعرائش حتى دول الشمال مثل الفلامان، كما أن كل المعاملات التجارية السلطانية الكبرى كتجارة الأسلحة كان تتم بثغر العرائش إلى حدود بناء مدينة الصويرة، إلا أن معركة العرائش ضد الفرنسيين ستعيد لهذا الثغر مكانته بعد المكاسب السياسية العظيمة التي حققها المغرب بعد هذه المعركة، وينساق الكثيرون مع الطرح القائل و الذي أورده الناصري حين قال إن مراسي سلا و الرباط و العرائش كانت لا تكون صالحة للملاحة إلا في فصل الشتاء لأنها “متصلة بالأودية وفي غير إبان الشتاء يقل الماء و يعلو الرمل بأفواه المراسي فيمنع من اجتياز القراصين بها و يتعذر السفر”. كل العارفين بحركة الملاحة بميناء العرائش من أبناء المدينة سينساقون مع هذا الطرح لأننا عشنا هذه الظاهرة عن قرب، إلا أنه لا بد من البحث في أسباب أكثر عمقا، ففي اعتقادنا فإن بناء ميناء الصويرة كان بسبب الأحداث التي كانت جارية بالجنوب المغربي، و خصوصا بميناء أكادير وكانت سببا في تركيز السلطان سيدي محمد بن عبد الله أنشطته البحرية بالشمال المغربي، فقد تطاول الثوار من أهل سوس على ميناء أكادير بقيادة الطالب صالح الذي ابتز مراسي الجنوب في وسق السلع منه افتياتا و استبد بمداخيلها واحتكر تجارة مراسي الجنوب.

وقد كانت الظروف الدولية مساعدة ولصالح السلطان سيدي محمد بن عبد الله في الاستفادة من أعمال البحر، أولا بسبب تشتت موقف الدول الأوروبية من مسألة القرصنة، حيث لم تستطع صياغة موقف موحد وسيبقى أمرها هكذا حتى هزيمة نابليون في معركة “واترلو” وعقد مؤتمر فيينا بداية القرن التاسع عشر بالإضافة إلى التوتر الحاد الذي طبع خلال مرحلة حكم هذا السلطان العلاقات الفرنسية الإنجليزية والتي انتهت بحرب دامية استمرت زهاء خمس سنوات 1778-1783، وكذا الحروب التي كانت تعيشها الدول الامبريالية الكبرى آنذاك من صراعات طاحنة على المستعمرات ومكتسباتها حيث نقلت ساحة اشتباكها إلى الأراضي الجديدة، وقد توترت أكثر بدخول الهولنديين إلى ميدان البحر مع المشاكل الكبرى التي كانت تعيشها إنجلترا التي دخلت في حرب كبرى بأمريكا الشمالية انتهت باستقلال أمريكا سنة 1776 وإعلان قيام الولايات المتحدة الأمريكية.

معركة واترلو
كل هذه العوامل بالإضافة إلى المسار السياسي لسيدي محمد بن عبد الله كخليفة لأبيه مولاي عبد الله على منطقة الحوز مما جعله على اطلاع كبير بأهمية البحر وعائداته المربحة، مما جعله مهتما إلى أقصى الحدود بهذا المجال بشهادة جميع المؤرخين. ففي الاستقصا نجد” فقد قدمنا ما كان للسلطان من الولوع بأمر البحر والجهاد فيه فلم تزل قراصينه تتردد في أكناف وتجوس خلال ثغور الكفر فتقتل وتأسر وتغنم وتسبي إلى أن ضاق بهم رحب الفضاء، وكاد يستأصل جمهورهم حكم القضاء فمنهم من فزع إلى طلب المهادنة وحسن الجوار ومنهم من كذبته نفسه فتطاول إلى أحد الثأر”. هذا بالإضافة إلى أنه خلال تلك المرحلة كان سلاطين المغرب بحاجة إلى مورد للخزينة خارج الجبايات التي تقدمها الضرائب المحلية و التي أثقلت كاهل السكان مما يجعل من مداخيل المراسي موردا يحقق ربحا صافيا بعيدا عن الضغط على القبائل التي عانت خلال ثلاثين سنة من فتنة أولاد المولى إسماعيل، والتي عاشها السلطان سيدي محمد بن عبد الله من خلال أبيه مولاي عبد الله، وقد أشار عبد الله العروي في كتابه “مجمل تاريخ المغرب” إلى أن سيدي محمد بن عبد الله ابتكر دولة خفيفة وقنع بمداخيل الجمرك لتموين الخزينة وإقامة الجيش ..فقد كونت الرسوم الجمركية أهم وأضمن مورد لخزينة الدولة المغربية، وهذا يعني أن رفاهيتها واستقرارها كانا تحت رحمة نشاط يتحكم فيه الأجانب، ويضيف العروي أن “ما يسمى بالمخزن المغربي آو بالمغرب الحديث، أي النظام الذي عاينه ووصفه الأوروبيون قبل الحماية، أنما هو في الحقيقة من صنع محمد الثالث. سقنا هذه الشهادة لأننا سنعود إليها بعد معركة النمسا بوادي اللوكوس لنقف عند هذه الإشكالات السياسية المتعلقة بحروب البحر.

الهجوم النمساوي على اللوكوس
