إلى شهيدة البحرالزهرة البحرية

العرائش نيوز: محمد الجزار

إلى شهيدة البحرالزهرة البحرية
نجمة البحر التي نطق برجها التعيس يوما وقالت بنبرة مفعمة بالأسى:
” حنا عايشين فصندوق الما، لي ما عمرنا شوفنا منو النعمة ”
” صندوق الما لي، بالحوت ولا بلا حوت، غيبقى ديما خاوي وخا يعمروه حتى باللويز ”

إنها المرأة الوحيدة التي دخلت بكل جرأة وشجاعة قل نظيرها، عالم الرجال في أدق تفاصيل الحياة ، وخاصة عالم المرسى والبحارة وركبت مخاطر البحر، وقد استشعرت كم مرة زئير الموت المرعب لفم السبع أو ” باب تشيپيطو ” .
بالفعل إنها تستحق لقبها الذي تشرفت به في دروب العرائش وبيوتها ، وقد تقاذفته ألسن الناس في سوق الرجال والنساء على السواء،، في زمن يعود ٱلى نهاية الستينيات وبداية السبعينيات ، ونحن نعرج على مدرسة مولاي عبد السلام اللصيقة بالمرسى، حيث كانت إيقاعات الحياة منفتحة ، رغم العقلية الذكورية، في أسلوب الحياة الذي تأثر بشكل كبير بالنمط الاسباني الذي يمزج بين الجدية والمثابرة في العمل والإقبال على المرح ومتع الحياة في أماسي العرائش الطروبة التي ما تزال مشرقة في ذاكرة من عايشوا تلك الحقبة.
” في زمان كان فيه الرزق غير مهرق، وكان البحري يتضرب به المثل ، ورمز الرجولة والشهامة، يخرج من دارو مرفوع الراس، وزغارت النسا من الشراجم شيارة ومصحصحة في الجو، والصلاة والسلام على النبي ديما، والبحري كريم فين ما مشى يسقي ويروي يعني cabayero ، ما يدير الفلوس فقلبو، ولي جابو الما يديه الهوا …” .
إن حضور الزهرة البحرية في عالم البحارة والرجال عموما لم يكن يثر أية غرابة ، رغم ندرة حصوله، و يمكن القول إن العقلية العامة لتلك المرحلة كانت متفتحة ومتفهمة جدا لهذا الإختراق اللطيف الذي أصبح مرحبا به في سوق دلالة السمك ، والبيع والشراء والسمسرة ، والسهر والعربدة والمسامرات الليلية في مقهى “قليقل” في انتظار دخول مراكب الصيد الى الميناء، مع ما يكتنف هذه المسامرات الصاخبة من رشات ونكات ماجنة أحيانا مدرحة بشقيفات الكيف المبلل بأتاي” الزيزوا ” ، وما يصدح به صندوق العجب بين الفينة و الأخرى من نغمات فريد الأطرش أو اللؤلؤة أم كلثوم.
إنها جزء لا يتجزأ من معاناة البحارة المغموسة في ملح رطب وقاسي معتق من سمرة الليل والسميقلي، لا يفيض نعمة زائدة وبركات وفيرة إلا على أرباب المراكب ومايورستات البيع والشراء والزبانية من المقربين، لكنه بالنسبة للبحارة المغلوب على أمرهم، يقطر بتقتير شديد ما تيسر من قسمات هزيلة ، لا تتعدى قسمة واحدة أو قسمة وربع على الأكثر، تكفي فقط ليستمروا في العيش ككلاب الماء ، دون أن تتحسن أحوالهم المعيشية أو يتسلقوا في مراتب إجتماعية أفضل أو ينقذوا أنفسهم من وحل تلك الحفرة اللعينة التي سميت “لمرسى “.
عاشت الزهرة البحرية حياة شعبية صاخبة بكل ما تحمل الكلمة من معنى ، واستطاعت بجرأتها وكفاحيتها النادرة أن تشق طريقا لنفسها، لم يكن من اختيارها، لأنها نزحت مكرهة من القصر الكبير لوحدها، وهي ما تزال شابة يافعة وجميلة، ولا أحد من أبطال أفلام كوبوي المرسى ٱنذاك المدججين بمسدسات الكبت، من بعض صناديد البحارة أو من البياعة والشراية أو من صحاب لبراكوس، أخفى إنجذابه الذئبي لأنوثتها الطرية وأغراها وراودها عن نفسها , في وقت كان فيه الضحايا حتى من الرجال يسقطون فريسة لهذا الإبتزاز الحيواني القذر .
الزهرة البحرية الإنسانة المتواضعة والتلقائية في أحاديثها مع الناس ، لمن يعرفها ومن لا يعرفها، أنشأت أسرة محترمة، وٱثرت العيش في حي الليخيرو مع البسطاء، رحلت عنا أخيرا بعدما أعياها المرض ، وقد دونت على صفحة العرائش والمرسى بالخصوص بصمة ٱستثنائية تنضاف لبصمات الذين غادرونا فجأة كطيزو والعمراني اللارگو وفاطميطا ومهيرز وبطاباطا وبريطل وغيرهم كثير ممن رسخت أسماؤهم في ذاكرة العرائش الجريحة.

دمت حية بيننا أيتها الفقيدة الغالية
ولترقد روحك في طمأنينة وسلام.

العرائش في 9 ماي 2020


شاهد أيضا
تعليقات
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.