العرائش نيوز:
تحرص وسائل الإعلام هذه الأيام على تسليط الضوء على صور و مظاهر توضح عدم احترام الناس لقانون الطوارىء الصحي، و بالتالي عدم الإلتزام بالتباعد الإجتماعي (الحجر الصحي) في مسعى لإدانتهم و تحميلهم تبعات انتشار الوباء، و من ثم تهيىء الأرضية أو بالأحرى تبرير التدخلات عبر توسلها للسلطة، مما ينذر بوقوع انتهاكات قد تطال حقوق الإنسان، لذلك تستظيف شخصيات مثقفة أو أكاديمية، كلها تجمع على استهجان تصرف العامة من الناس و احتقار وعيهم و جهلهم بمخاطر ذلك على المجتمع برمته. و لأن الإعلام و التّربية و التّعليم و الثقافة والأوقاف.. هي مّا يُشكّل تربة الثّقافة الإجتماعيّة التي تؤسّس الوعي سؤاء كانا زائفا بئيسا أو كان وعيا سليما قادرا على التفاعل مع معطيات الواقع بشكل علمي و صحيح. هذا يجعلنا أمام مساءلة سلوك الناس باعتباره تجلي من تجليات وعيهم و فكرهم و السؤال هو من المسؤول عن تشكيل هذا الوعي لدهم؟ هل يتحملون فعلا المسؤولية فيما يقومون به؟ و هل بامكانهم سلوك غير ذلك؟ و أين يكمن البؤس، هل في سلوك الناس هذا أم في تحليلات الإعلاميين؟
في هذا المقال لن أحاول الدفاع عن مثل هذه الممارسات التي قد تجد لها عشرات المبررات، راسخة في واقع بئيس، ليس بمقدوره سوى إنتاج وعي بئيس و مزيف، فكم كان ماركس محقا عندما اعتبر أن الوجود الإجتماعي للناس هو الذي يحدد وعيهم و ليس العكس، بحيث لا يمكن لمن لا ينام جيدا و لا يأكل جيدا أن يفكر جيدا، إذا تبقى الشروط الموضوعية في حدود كبيرة هي المحدد لوعي الناس. وللتعرف على نوع الوعي السائد في المجتمع يجب التعرف على نوع الثقافة السائدة فيه وتاريخه وأوضاعه الاجتماعية والسياسية التي يتلقى الإنسانُ تنشئته في ظلها. فالذين يدينون الناس البسطاء و يحملونهم مسؤولية عدم الإلتزام بالحجر الصحي، هل سبق لهم أن تساءلوا كيف يعيش هؤلاء؟ و اين يسكن هؤلاء الناس؟ ألا تعلمون ان هناك من الأسر من يتناوب أفرادها على سرير النوم الواحد؟ و هناك من يتكدسون في براريك و منازل لا تحمل من المعنى إلا الإسم و قد يكون السجن أرحم منها؟، ناهيك عن الحاجة الملحة للقوت اليومي، فلا تعتقدوا أن ما تلقاه الناس من مساعادات التي لا تتجاوز في أحسن الحالات 1200 درهم كافٍ لأسر قد تستهلك هذا المبلغ في أقل من أسبوع، ــ هذا إذا كانت قد توصلت به أصلا، لأن المعطيات توضح أن العديد من الأسر لم تستفد شيئا لحد الآن ــ، نظرا لاتزاماتهم إن أمام أداء الفواتير (الماء و الكهرباء و الهاتف و الانترنيت،أقساط القروض…) أو أمام أداء سومة كراء مساكنهم التي لا يتسامح أصحابها في ذلك، و لبعضهم في ذلك مبررات. لكن لندع كل هذا و نتساءل كيف نبت هذا الوعي البئيس و المزيف في أذهان هؤلاء الشيء الذي جعلهم غير مسؤولين عبر تصرفاتهم؟
يُجمِع الدارسون المختصون على أن الإنسان يتشرَّب تلقائيا ما يتلقاه من محيطه الثقافي والإجتماعي والسياسي منذ طفولته المبكرة، مما يُسهم بشكل أساسي في تكوُّن وعيه وتحديد نمط تفكيره ومبررات مواقفه وأسلوب حياته، لا شك كما اسلفت أن نمط إنتاج الحياة المادية هو الذى يحدد الأطر التى تسير عليها الحياة الاجتماعية والسياسية والفكرية بوجه عام، و بالتالي يحدد وعيهم. لذلك لم يأتِ الوعي البئيس و الزائف من فراغ، بل جرت تمهيدات وتدريبات اكتسبت تجربة على مرّ العقود الماضية، من خلال العلاقة الوطيدة بين الدولة و القوي المتحالفة معها من ليبراليين و برجوازيين و قوى محافظة إقطاعية أو دينية سلفية و غيرها الإقدام على اصتئصال الفكر النقدي عبر اغلاق معهد السوسيولوجيا في السبعينات و التضييق و محاصرة الفلسفة بالجامعة و فتح الباب أمام شعب معادية لها بالتغلغل داخل الجامعة، و احتلال الفضاء العام، و في نفس الوقت الزج بالقوى الديمقراطية والتقدمية والماركسية في السجون و المنافي، و تشجيع التفاهة و الميوعة إلى أن أصبح الوعي الزائف بديلاً عن الوعي الجماهيري الشعبي الحقيقي. فالدولة المتسلطة تتفنن في خداع الناس وتزييف وعيهم وتحويل وسائل الإعلام إلى طبول وأبواق في زفة النفاق، وإشغال الأفراد عن قضاياهم الحقيقية بالحديث عن المنجزات الورقية، وتضخيم بعض الانجازات، والمبالغة في الحديث عن أخطاء ثانوية، وتجاهل القضايا الكبيرة، وإلهاء الرأي العام عن المشكلات الحقيقية والاخفاقات المتوالية للدولة و المسؤولين في أكثر من صعيد، وتبديد ثروات البلد في أمور لا طائل منها، وتضر أكثر مما تنفع المواظين على سبيل المثال (موازين..)، و ذلك عبرعبر خلق جمهوره مسبقا و استغلال الفراغ الذي يعانين الشباب و تعطشه للفريغ و الترفيه. فقد سبق و أوضح المفكر المصري محمود أمين العالم، في كتابه “الوعي والوعي الزائف في الفكر العربي المعاصر”، كيف أن عملية تزييف الوعي تتم من قبل الدولة خصوصا في ظل الأنظمة الرأسمالية عبر السيطرة على قنوات الفكر و ترويج الثقافة و الهيمنة على الإعلام و التحكم في الساياسة التعليمية و وضع البرامج المراد تمريرها للناشئة و أيضا التحكم في المجال الديني، و الدولة شأنها في ذلك شأن الرأسمالية العالمية تسير في اتجاه إنفاق أموال ضخمة من أجل السيطرة على الفكر، عن طريق إنتاج وعي مزيف، تدعمه بقوة البرامج الإخبارية “الصحافة، التلفاز، الإذاعة، والثقافية، الأفلام،و الكتب…” التي يتم الترويج لها و فتح الباب أمام أشباه المثقفين، فحسب باولو فريري “Paulo Freire” أضحى “تضليل عقول البشر من خلال هذه الوسائل أداة للقهر تستغله النخبة في تطويع الجماهير لأهدافها الخاصة”.
و يبقى الإعلام و المدرسة من بين أهم أليات إفساد الوعي الإجتماعي و تزييفه، فقد استخدمت المناهج والمقررات الدراسية عبر سياسة التعليم التي خضعت لمراجعات شتى لم يكن الغرض منها إصلاحها كما يتم الترويج له، بل الغرض كان و لازال هو صنع إنسان طيع سهل للإنقياد و مؤهل لخدمة مصالح الرأسمال، و ذلك من خلال تزويدهم بمعلومات سطحية تعتمد على الحفظ ولا تحفز على الفهم و التفكير والنقد، وإغراقهم بمعلومات كثيرة وقديمة لم تعد صالحة للتطبيق واقعيًا في معظم الحالات، و اعتماد إختبارات و امتحانات تقيس قوة الذاكرة التي تحتفظ بمعلومات مؤقتة، مما يجعل التعليم منفصلًا عن الواقع وبذلك يمكن أن يكون الشخصُ طبيبا ماهرا أو مهندسا مقتدرا، لكنه عندما يخرج من مجال تخصُّصه الضيق يتكلم ويتصرف وفق ما تلقاه في تنشئته الاجتماعية أيام كان طفلا، فتطفو رواسب ثقافة مجتمعه تلقائيا، ناهيك عن العمل المتواصل لضرب مكانة المعلم و تشويه صورته، بحق أو بدون حق. و تكمن خطورة هذا الوعي الزائف في أنه يبقى مهيمنا على فكر الأفراد وسلوكهم طوال حياتهم، كما أنه يُحَوِّل المعلومات ويقلب المعاني، ويُفقد الأسماء والكلمات دلالاتها ومعانيها، فيزداد رسوخًا، ويتقوى بما يحوزه من معلومات ومهارات من نظام التعليم الرسمي. و تبقى لسلطة الإعلام و التحكم فيه قدرة هائلة على تحريك مشاعر الجماهير نحو الغاية المنشودة، سواء كانت هذه الغاية قائمة على حقائق أم مجرد أكاذيب، فالهدف هنا هو إقناع الرأي العام بها، ودفعهم للإيمان بها والمحاربة من أجلها، وبالتالي التأثير في عقليتهم واستخدامهم ورقة ضغط بعدما قامت المدرسة بإعدادهم جيدا لذلك. ونتيجة ذلك تصبح هذه الوسائل قادرة على زرع الوهم، أو لنسمِّه وعي مزيف، والتلاعب بالناس وفقًا للأهداف السياسية، أو الاقتصادية، أو الاجتماعية، أو العسكرية المنشودة. وأكثر ما يهتم به صُناع هذا الوهم هو تغييب الوعي أو تزييفه عبر استخدام البروباغندا الإعلامية أو الإشاعات لإخفاء الحقائق عن الجماهير، بهدف استمالة القاعدة الشعبية وتشويه الوقائع لدرجة تدفعهم إلى الموافقة على أمور قد لا يرغبون فيها من الأساس لتفصل بذلك الناس عن واقعهم، وهذا ما يسمى بتزييف الوعي و انحراف الفكر. فخلال السنوات العشر الماضية، رأينا كيف أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي من أهم الأدوات الاستراتيجية في عمليات تشكيل المعتقدات وصناعة الأفكار والرأي العام، ويُعزى ذلك لسهولة استخدامها وسرعة انتشار الأخبار والأحداث من خلالها، مما استقطب اهتمام قادة الدول والحكومات والأجهزة الاستخباراتية لاستخدامها في قيادة الرأي العام وتوجيهه وفق ما يخدم مصالحهم. وهنا تصبح سلوكياتهم وأفكارهم وقناعاتهم مُلَقَنة لاشعوريا عبر ما يتلقوه يوميًّا من رسائل إعلامية مبطنة، عبر تلك المنصات لتعاد برمجتهم على النحو الذي يخدم مصالح جهات معينة، ولاسيما بعد أن رأينا كيف أدير الرأي العام و وُجِه في أحداث وحروب كانت على وشك أخذ العالم إلى حافة الهاوية، مع العلم بأن الحقيقة المجردة التي نسعى لإيجادها عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي قد لاتكون موجودة بشكل مطلق بعد الآن في عصر صناعة الوهم.
إذن هل يجوز لفلاح زرع الخردل في أرضه أن يطالبها بإنبات القمح؟ هذا للأسف ما يطلبه بعض المسؤلين و المثقفين و الإعلاميين من جماهير طالما تم التفنن في تضْبِيعِهَا و تزييف وعيها بحيث يصح القول عنها فاقد الشيء لا يُعْطِيه. إذن لحظة الكورونا هي لحظة تاريخية لمراجعة العديد من البرامج و المخططات و الإعتذار عن أخرى تم تمريرها سابقا، و أول درس يجب أن نتعلمه الآن و هو بالمناسبة درس في المنطق هو: عندما تواجهنا مشكلة ما، فعلينا البحث في أسبابها و العمل على معالجة تلك الأسباب، و ليس التركيز على نتائجها و مظاهرها، و العمل على التصدي لتلك النتائج، لأن ذلك لن يدفعها إلى الزوال بقدر ما سيفرض عليها الإختفاء لحين، ثم ما تلبث أن تعودة بقوة أكثر مما كانت عليه في البدء.
و كل حجر و أنتم في منازلكم
ذ.شفيق العبودي
شاهد أيضا
تعليقات
