العرائش نيوز:
بقلم: عبد المنعم العمراني
وأنا أطالع مقالا في موقع “العرائش نيوز” عن حيثيات تأسيس “الجمعية المغربية لحملة الشهادات المعطلين” والدور الذي لعبه مجموعة من أبناء العرائش في ذلك التأسيس، محليا ووطنيا، طفت إلى ذاكرتي واقعة من تلك الأيام. أيام كانت سماتها الطاغية تتأرجح بين الإقدام والخوف، وبين الأمل وخيبة الأمل.
في آواخر سنوات الثمانينات توطدت صداقتي مع مومن الصبيحي. كانت مرحلة بدأت تطرح فيها معضلة أفواج وأفواج من خريجي الجامعة المغربية، الذين كان المطاف ينتهي بغالبيتهم على طاولات المقاهي، يقضون فيها سحابة يومهم وجزءا كبيرا من لياليهم. في تلك المرحلة، بدأ الحديث الرسمي يدور حول ضرورة “موائمة التكوين مع سوق الشغل”، شعار رأسمالي بامتياز. ثم تفتقت ذهنية الماسكين بزمام الأمور عن فكرة “المجلس الوطني للشبيبة والمستقبل”.
على الجهة الأخرى، بدأ شباب مغاربة، كانوا يتمتعون بحس سياسي عالي، بدأوا نقاشا وطنيا بشأن الطريقة المثلى لتأمين مناصب العمل لأفواج الجامعيين الذين كانوا يملؤون المقاهي؛ كل أنواع المقاهي. أما المحظوظون من ذلك الجيل، فكان ينتهي بهم الأمر في “الخدمة المدنية”. والأكثر حظا قد يتم إدماجهم في سلك الوظيفة العمومية، بعد ثمانية عشر شهرا من تلك “الخدمة”…
بعد تخرجي في يونيو من عام 1989، قصدت الرباط بحثا عن “خدمة” ما، حتى لو كانت “مدنية”… عرضت خدماتي كمترجم ناشئ في أماكن كثيرة، لكن المقابل غالبا ما كان هزيلا… فكنت أضطر للعودة إلى العرائش، أقضي فيها أسابيع طويلة، بجيوب خاوية، قبل معاودة الكرة من جديد في الرباط أو في الدار البيضاء… في تلك الأسابيع الطويلة، كانت تجمعني ساعات أكثر طولا من الحوار مع مومن الصبيحي… كل يشكي همومه للآخر… هموم كانت تتخللها أحاديث كثيرة حول الهجرة أحيانا، وحول مشروع جمعية المعطلين أحيانا أخرى.
مرت الأيام وحصلت على عمل في وكالة المغرب العربي للأنباء(لا ماب)كصحفي في القسم الفرنسي لمصلحة التحرير الوطني. وحصلت أيضا على بطاقتين مهنيتين: واحدة دائمة وكانت تصدرها إدارة الوكالة، والثانية سنوية كانت تصدر عن مديرية الإعلام التابعة لوزارة الداخلية والإعلام، التي كان يتربع على عرشها إدريس البصري بعفويته “العروبية” وجبروته السلطوي. بدأت أشعر وأنا لم أتجاوز الرابعة والعشرين من عمري، أنني اقتربت من حلبة “اللعب مع الكبار”. شعور كان يمكن أن يؤدي بصاحبه في اتجاهات عدة.
بعدها بوقت قصير، التقيت مومن الصبيحي في العرائش. أخبرني أنه سيسافر، مع رفاق آخرين، إلى الدار البيضاء للمشاركة في تأسيس جمعية المعطلين. اتفقنا على أن يزورني في الرباط وهو عائد من الدار البيضاء، وقلت له إن عملي في الوكالة يوفر أحيانا فرصة لنشر أخبار لا تنشر عادة، خاصة في فترات العمل الليلية؛ وبأنني قد أقوم بنشر بيان التأسيس الذي سيصدر عن اجتماع الدار البيضاء إن تمكن هو من توفير نسخة منه حال صدوره.
بضعة أيام بعد ذلك، كنت على رأس عملي في الوكالة، أشرف وحيدا على فترة “لإغلاق” في القسم الفرنسي، التي كانت تمتد من الساعة السادسة مساء إلى منتصف الليل. رن الهاتف وجاءني صوت موظف الاستقبال، يخبرني أن شخصا يسأل عني. نزلت إلى بهو الوكالة، وهناك كان مومن بنظارتيه السميكتين وابتسامته المعهودة ونظراته الثاقبة، التي كانت تمشط البهو يمينا ويسارا وكأنها تبحث عن فوهة بندقية قناص لا تراه العين المجردة… تعانقنا وقال لي: “أنا جيبت لك الليو”. أخرج من جيبه، أو ربما من تحت ثيابه، وثيقة من صفحتين أو ثلاث، ملفوفة، وكأنها فرمان من الباب العالي… أخذتها منه وكأنني آخذ قطعة ممنوعات ما. قلت له: “صافي.. دابا شوية غادي ندوز هاد الليو”. ابتسم مومن، سلم علي، واستدار مسرعا في اتجاه الباب الزجاجي، قبل أن يختفي في ليل الرباط.
عدت إلى صالة التحرير، في الطابق الثالث، والفرمان الملفوف في يدي… ذهبت إلى ركن قصي، بعيدا عن مرمى رؤية زميلي الذي كان يشرف على فترة “إغلاق” القسم العربي… قرأت البيان، ثم قمت بتحرير خبر مفصل عنه بالفرنسية… هكذا كانت تتم الأمور في “لا ماب”: تصاغ الأخبار بالفرنسية أولا، حتى لو كان مصدرها بالعربية، قبل أن يقوم زملاء التحرير العربي بإعادة صياغتها باللغة الرسمية. كتبت قصاصة من ثلاثة أو أربع فقرات. طبعتها واستخرجت شريط التلكس الأصفر الخاص بها… وعدت إلى مكاني المعتاد، وأنا أفكر في أفضل وقت يمكنني فيه أن أعطي الشريط لموظف التلكس من أجل بثه. عقدت العزم على أن أقوم بذلك قبل منتصف الليل بربع ساعة، ثم أنصرف.
انهمكت في العمل، وفي حدود الساعة الحادية عشرة والنصف، اتصل بيصديق درس معي اسمه سعيد موينيت. كانت تلك عادته. يتصل بي لكي نغادر الوكالة معا. كان سعيد يشرف يومها، وحيدا، على قسم الأخبار بالإنجليزية في مصلحة التحرير الدولي، بالطابق الثاني. قال لي: “هيا أ صاحبي، ساعة السليت وصلت. وإلا غادي نجبروكلشي غالق”. طبعا كان يقصد المقاهي، كل أنواع المقاهي.طلبت منه أن يمنحني ربع ساعة. ما هي إلا دقائق حتى كان سعيد يقف ورائي، ثم أخذ كرسيا من كراسي صالة التحرير وجلس إلى جانبي.. نظر إلى كم القصاصات وشرائط التلكس التي كانت على مكتبي، وأنا منهمك في ترتيب ما كنت قد نشرته تلك الليلة في ملف خاص، علي أن أضعه على مكتب رئيس التحرير، قبل الانصراف.
ينحدر سعيد من منطقة سوس. درس الأدب الإنجليزي في مراكش قبل الالتحاق بمدرسة الترجمة في طنجة… كان يتقن العربية والفرنسية والإنجليزية والأمازيغية… وكان له ماض في النضال الطلابي، لم يفصح لي أبدا عن تفاصيله الكاملة… وهو ينظر إلى القصاصات والشرائط الصفراء، كان سعيد يحثني على الإسراع في المغادرة بكلمات ساخرة، وبنبرة سوسية متسارعة… فجأة، امتدت يده إلى الفرمان… بدأ يفتحه وهو يسألني: ما هذا؟ قلت له: إقرأ. وناولته أيضا قصاصة الخبر الذي صغته بالفرنسية. وما هي إلا ثوان حتى جحظت عيناه وهو يقول لي: “واش أنت مسطي؟ واش دوزتي هاد الشي؟”
بعد أن تأكد أنني ما زلت لم “أدوز داك الشي”، أخذ القصاصة وشريط التلكس الخاص بها ومزقهما. ثم طلب مني مسحهما من آلة التحرير، وهي جهاز كان مفخرة لا ماب في تلك الأيام، منزلته تقع بين الآلة الكاتبة والكمبيوتر.كنت أقوم بعملية المسح التي كانت تتطلب بضع دقائق، فيما كان عقلي يغلي وكأنه قد بدأ يستشرف تبعات ما كنت أنوي القيام به. خرجنا، أنا وسعيد، من الوكالة والتحقنا بواحد من كل أنواع المقاهي. ما إن جلسنا حتى بادرته قائلا: شوف أ موينيت (كنت أناديه دائما بلقبه وكان يفعل نفس الشيء) هاد البلاغ راه مهم… ولازم ننشروه أ صاحبي… هذا أقل ما يمكننا عمله”.
نظر إلي مليا وهو يسرع الرشف من “كوب لبن كبير”… ثم أشعل سيجارة زرقاء، رخيصة، وقال لي: “لا يمكنك أن تنشره في شريط لا ماب الآن، إلا إذا كنت تنوي عدم الرجوع إلى العمل غدا.. يجب أن تفهم أنك موظف ولست صحفي… أنت لا تقرر… راك خدام في الداخلية أ العمراني… ما غادين يخسروا عليك والو حيت أنت باقي سطاجيير، وحتى كاع وتكون ترسمتي… بالعكس، الوكالة غادين يجريو عليك ومن بعد سيحولونك للتحقيق لدى جهة ما… جهة حتى العلي القدير لا يعلم بها”.
لم أجادله فيما قاله عن لا ماب لأنه كان قد سبقني للعمل فيها بسنة تقريبا، ويعرف خباياها أكثر مني. لكن نقاشنا استمر طويلا تلك الليلة. أكملناه في الاستوديو الذي كنا نتقاسمه كسكن… انتزعت منه وعدا بأن يعمل على نشر البلاغ في جريدة ما.ووفى بوعده. وصدر البلاغ، أول ما صدر، في جريدة “أنوال”. كما سلم سعيد نسخة منه مع قصاصتي الفرنسية، إلى صديق لهكان يعرف شخصا ما يعمل في مكتب وكالة الأنباء الفرنسية بالرباط…
أسبوعان أو ثلاث بعد ذلك اليوم، نشرت كبريات الصحف الأوروبية مقالات عن “الجمعية الوطنية لحملة الشهادات المعطلين بالمغرب”، ووصفتها بالإطار الفريد من نوعه في العالم، كونها أول جمعية من طرازها،أسسها شبابما زالوا يبحثون عن عمل. قرأت بعضا من تلك المقالات، في لوموند وليبيراسيون وإلباييس. لم أشتر تلك الجرائد لأن ثمنها كان غالياـ بل قرأتها في صالة التحرير، التي كانت تتوصل بنسخ من كل الجرائد. تلك الصالة، التي كتبت فيها تلك القصاصة انطلاقا من الفرمان الذي سلمه لي مومن الصبيحي في ليلة من ليالي أكتوبر،عام ألف وتسع مائة وواحد وتسعين…
