في الذكرى الثالثة لوفاة دفين العرائش الكاتب العالمي خوان غويتيصولو 

0 182

العرائش نيوز:

بقلم: عزيــــــز قنجــــــاع

في شهر يونيو من سنة 2017 قمنا بدفن الكاتب العالمي خوان غويتيصولو بالمقبرة الإسبانية بمدينة العرائش قرب رفيقه الكاتب العالمي جان جنيه، والملفت أنه من غير باريس ولندن ونيويورك وميونيخ لن تجد مدينة عالمية تضم رفات أكبر كاتبين عالميين طبعا مسار الأدب العالمي خلال القرن العشرين إلا مدينة العرائش. طبعا كفاعلين في الحقل الثقافي بمدينة العرائش وكمهتمين، نبقى دائما قيد السؤال عن سبب عدم استنهاض وضع ثقافي يوازي أهمية ثرى مدينة العرائش كثرى مخملي سرمدي لرموز الأدب العالمي؟  لنطو السؤال جانبا فالأجوبة أحيانا قد تعكس مستوى ساذجا من حلم المثقف. وسأعيد نشر الكلمة الافتتاحية التي ألقيتها بمناسبة تنظيم جمعية “فضاءات ثقافية” نشاطا بمناسبة الذكرى الأولى لرحيل دفين العرائش الكاتب العالمي خوان غويتيصولو.

السيدات و السادة ايها الحضور الكريم   

بِم يمكن أن تتميز كلمة ـ شهادة – مرثية على مسار رجل تجاوز الأفق المعتاد و الحد الرصين والمبتغى الدال على اجتهاد غير عادي وإصرار غير مسبوق؟ هل ستكون هذه المرثية في حق خوان تكمل اطمئنان المؤمن على مسلماته، وعموما ليس ثمة ما يملي على مسار متميز من الاجتهاد و الإبداع والمثابرة فعل الشهادة، سواء من باب تثبيت حقيقة أو اطمئنان على مسار يحوي داخله مشارب متعددة من الاهتمامات والانحيازات المناطقية والإنسانية والمعرفية والزمنية والابستيمولوجية، استطاع آن ينحث لنفسه توليفة متميزة من التخصص الواعي هدف إبرازه والإحاطة بموضوعه، إنه العلاقة بين التاريخ والسياسة والأدب ساعيا بذلك إلى الإحاطة بما يتعالى عن الإحاطة وبما يندرج بدوره فيها.

86 سنة من حياة مرت و حياة أخرى سرمدية قادمة حياة أزلية أبدية بدون مقدمات ولا نهايات، حياة أخرى على حافة الممكن والمستحيل. ستأتي أجيال، تأتي و تجعل من سطح هاذي الأرض إقامات، ومن مذكرات الورق عناوين لانطباعات ستتلوها انطباعات. وأنت كيف جعلت سطح الدنيا مليئا ببيانات من أمل وحنين، لا أفق أوقف إبداعك، ولا شفق أبهرتك مرثيات غروبه، 86 سنة وأنت تبحث عن أعمدة للإقامة عن وطن أو عنوان حتى، وتجبر النفس على الخطابة والصمود. تغني أغاني  ايصابيل بانطوخا الجبلية وماريا دي المونطي والفرعونة فلوريس، توحد الروح في غمة الوطن وتغني لتساعد انزياح الروح خارج فكرة شوفينية عاجزة أن تقيم رسالة وصحابة أو هجرة رسول.

 المنفى قصتك، والوطن غصتك، وبينهما تبقى  وحدك من يتقن شد الكون إلى قرون الأرض، ووحدك من يتقن خبز المسافات والبلدان على مائدة فكرة أنت مركزها ووردة الشوك المسيج لحدودها وقياس امتدادها.

 لم تكتب وصية إلا للموت ولم تستسلم، لم تقصد ميناء للخروج أو مطارا  تتحسس فيه غربتك واغترابك، تقرأ كف الدنيا وفناجين القادم وتضع خطاطات ومخططات أولى واستخطاطيات تستند لتكتيكات تهشمها على درب الأحلام والتجارب لتمر لتجارب أخرى.

 لا تفتر عن صنع التجارب وما الأدب إذا لم يخبز تجربة، ولا تنام، ولا تنام منكفئا لاطمئنانك، تجعل من صلابتك السائلة المرنة موج بحارهادرة تدفع اليابسة من يابستها إلى يابسة أخرى وتباعد المسافات من جهة الضفاف البليدة لتضغم عوالم من ضفاف أخرى.

 تخسر رمادا تضع عليه حطام الأشجار التي تصنع منها فحما للدفء والنور، كم قاسية هي الحياة في جنات الآخرين، وجنتك مراكش البعيدة تتنكر لتفاحها، وبرشلونة القاسية و القصية، هي من جعلتك حرام على المؤمنين ومفتاح للخطيئة الأولى.

 نسوك ونفوك وقرروا: لا تشرح للعالم غموض الميلاد والروح والعودة،  تعاند من جديد وتستعصي على النوم إلى الأبد لأنك لن تموت إلى الأبد، قد تصلب إلى الأبد لكن لن تقتل إلى الأبد كباقي الانبياء، تصلب نفسك على خطى المسيح و تبعث من جديد إنسانا كاملا أو نصف إلاه.

وتختار حجارة الماء الجديد لتتعمد على ضفافه / يا سيدي،  العرائش ليست مقصدا للأنبياء فلم تودون أن تجعلوها أرضا مقدسة.

 تخرج من متاهة إلى أخرى، منكسرا تارة و منتصرا في مرات، لكن لا وشاح ولا نياشين حتى سيرفانطيس ترجيْناك لتقبل هداياه، وتقُفُ على عتبات الملك متفننا في النقد ومذكرا الآخرين بمنفاك الحاقد والقاسي، لا تفتر عن الشرح و البوح و التنصت لنبضات الكون، تسمي الأشياء، تستأصل من معانيها فهما حول استشراق اسبانيا، ولعنة يوليان وابنته و جحافل العرب، تقيس وتجرب وتلتزم ولا تنسحب وتعاند وترتب آيات كتابك حسب أسباب النزول وتذيله بالقصص والحكايا عن شعب يستند على صفيحة ماء، اقتاتوا على بقايا من أغانيك. وتغني لك العرائش “اي كي بينيطا بينا بينا بينا دي مي كوراسون”  وانتصرت في آخر التاريخ.

 تطردك الأماكن والساحات وتقاسي لتبني مكانا تدون فيه أفكارك ودموعك وندوبك تقتسمه مع مغاربة خبزوا القول قوتا  أو شيشان ارتكنوا إلى الله في عناد العالم  ولا يهم مع من، فأنت لا تحتاج إلا إلى ركن ركين تضرم فيه شغفك للفكرة ولهفك على الإحياء، فتأتي إليك دولسينيا ديل طوبوسو ودون كيخوطي هازئين من الأحلام و الأوهام و ما تركه التاريخ من لقى أثرية وبقايا  كارلوس فوينتيس وغونتر غراس وكارسيا مركيز.

 وأنت ماذا تبقى منك؟ بعد أن اخترت العرائش مثواك، لا هياكل في العرائش لتهدمها ولا معابد قديمة، فتوسد صوامع كنائس البتول واستجر بمساجد الرحمان وادخل خيام الأنبياء.

 ماذا تبقى منك هل تعتقد أن العرائش تحميك من غواية نفسك والقديس جان أتعتقده يريد مثلك ترميم كلام الرب في كتب العهد القديم بعد أن غاب القادم في عواصم الشرق وساح التبصر في غياهب الغرب ، لا قادم إلا الغيب،

 خوان ..جان ماذا تبقى منكما؟ علبة من أحلام تحملانها وتشتتانها في بيادر الخوف علها تزهر أملا و شبقا بالحياة، لِم، كلما اعتقدنا نهايتكما أرختما لبداية أخرى؟ كم هي بداياتكما وكم هي نهاياتكما؟ لِم أنتما رجلان يهددان الإحياء بصرامة المنطق والخيال؟ أنا العرائش التي حسبت انتهيت عند أول بداية لم أنتبه أن البدايات بدايات والنهاية ابنة بدايتها ورضيعتها  إلا حين رأيتكما تجمعان صورتكما وما تبقى منكما وتنشئان موانئ جديدة وجيوشا جديدة ورماحا تدق الأرض من أطرافها وتطبخا من جلدكما أوتادا لقناطر منسية تؤمن بها  مرور الآخرين لحرب أو بر أو بحر.

ماذا تبقى منكما؟ لا عناوين لكما ولا مكان يحيطكما،  ولا زمن يرتبكما فأنتما تعلوان فوق الزمن، ومن لا يلمه زمن لا تسعه أمكنة، أنتما بقايا حلم ضاع في ثنايا حقيبة، فلتكونا ما شئتما ولتكونا كما شئتما أو كونا ما اشتهيتما فأنتما أبد الوجود المتكرر، والزبد المنثور على صخور الشواطئ المتبعجة.

خوان و أنت على مثوى أرض مدينة السماء لا تكن آخيل الإليادة الأخير، ولا تمت كهكتور وأنت تدافع على أبواب طروادة، واجعل منابع نظرك أسطورة، وتماهى فيك، وواصل رحلة النهار إليك، ودُرْ مع مركز فلك الأرض لكي لا تغيب شمسك، حدد بصرك واركن لبصيرتك واستمر فينا، استمر فينا.. وابق في أدبك العاجي لغة..و الإنساني فكرة، ارسم الكثير من الخطوط الرابطة بين مآسي القصف و الحصار في كثير من نقاط الدمار والقتل مراكما الزيارات إلى دم العالم المراق …..ولا تأت….. فالبطل الأسطوري لا يبعث إلا في العرائش.

 

 

 


شاهد أيضا
تعليقات

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.