العرائش نيوز:
حدث أن اتفق مجموعة أصدقاء على الاستجمام بساحل المسيطرو رغم صعوبة السباحة أمام الأمواج الكبيرة و الرياح القوية، حمس بعضهم البعض، و تنافسوا فيما بينهم و تسابقوا في الدخول بهوائيات جميلة حتى وصلوا نقطة الضياع، ساعدهم إغراء البحر و تياراته الجارفة، و فجأة أدرك أصدقاؤنا أن موقعهم ليس مريحا و موقفهم صعب و طريق العودة شاق و عسير و مجهول المصير؛
بعدما ساد صمت رهيب و سكون في الحركة، استعدوا جميعهم لشد الطريق نحو البر، رسموا المسلك و الاتجاه، و تعاهدوا على المقاومة و الخروج سويا بالتحالف على الموت و نحو الحياة؛
انطلق مسار النضال، و بدأ العد العكسي لمحاولة الخروج من المطب، ازداد الحماس و التوهج و رغبة كسر الأمواج و معه توسيع منسوب الروح الجماعية للتغلب على الإرادة العكسية للأمواج الغادرة، تشكل الفريق و وزعت الأدوار، بين القائد العوام في الوراء و الصغير الضعيف في المقدمة و السواعد في الجنبات ؛
تواصلت الضربات دون توقف، لا يهم ، بالأيدي و مساعدة الأرجل، بدأ الظهر بالاستيقاظ و صارت كل أطراف الجسد متحدة، متناغمة و متراقصة، تسير كالحوت، تتمايل و تتحايل على الصعب و المستحيل للوصول إلى بر الأمان؛
كل شيئ ظل ثابتا على حاله دون تغيير، ارتفاع الأمواج، صفعات الرياح، الموقع القبيح، مرارة و قسوة الخروج…؛
بدأ الخوف و الشك و القلق يساور الجميع، أخذ القائد بزمام الأمور، و عاود الصراخ و التشجيع، واصفا أعضاء الفريق بالرجال و الشدائد و الهمم و المقاومون الأشاوس …؛
استمر الفريق كخلية النحل، مغري في التشكيل و التناغم حتى و هو يواجه المصير، و يحاول صناعة خاتمة ليست لتراجيديا نجيب محفوظ أي دخل فيها و أية علاقة، حتى النهاية؛
إلى متى ، فالبحر و رفيقته الأمواج تحالفا ضد الحياة و أقنعا الرياح لتحطيم الإرادة و كسر شوكة المتعة و المغامرة و العيش كما نريد لا كما نخاف، لكن لكل الأشياء الجميلة في الحياة كلفة صعبة التقدير و التوصيف و التعيير؛
فجأة أنزل صديقنا في الجبهة الأمامية كل أطرافه، معلنا عياءه و انهزامه و استسلامه، فبحث عن راحته ربما في النوم أو في غيابه عن الوعي …؛
صرخ القائد، مذكرا الجميع بالعهد من أجل الخروج معا، و صاح للسماء، صغيرنا لن يموت، صغيرنا في الحياة و سيعيش، سنقبل شغبه و اندفاعه و مراهقته و تأخره ليلا و طيشه، سنرحب بتنمره لنا و لومه و عتابه، نريده بيننا، نطرق بابه و نذكره بالمواعيد العادية و غير العادية، بذكريات السفر و الخرجات العابرة، بكل اللحظات الجميلة و السيئة…. نريده بيننا، نحبه كما هو …؛
تقرب أعضاء الفريق من الجنبات على أطراف صديقنا المستسلم، و اتخذوا شكل طائر، كانوا الجنبات أجنحته في اليمين و اليسار، و جاء القائد من الخلف و التصق كالذيل، يراقب الوضع عن قريب و من زاوية تمكنه من التدخل في أي اتحاه و احتمال أو فرضية، و في نفس الوقت يدعم الجنبات بالتناوب التوافقي؛
سرعان ما فطن للأمر، و أدرك أن الوقت ينفذ و صغيرنا يقترب من الضياع، بدأ يستغيث و يطلب النجدة و يلوح من بعيد باتجاه الساحل، تجمهر الناس على رأس ” الجزيرة ” خائفين على الغريق و الفريق، و خائفين أيضا على حياتهم من الضياع، و كأن الجميع نساء و أطفال، و شيوخ دون سواعد و أبدان تستطيع المساعدة أو المغامرة بتعبير أصح؛
كل الجمهور يبحث عن متدخل بينهم، و يبحثون عن معدات و أدوات السباحة و الإنقاد، لاشيئ سوى الحجر، بعد لحظات خاطفة، بدا شخص … شاب يافع، مفتول و مشدود العضلات، طويل القامة و أسمر البشرة بسبب زمن طويل تحت أشعة الشمس و كأنه ابن ” الجزيرة “، هناك انطلق يركض مسرعا غير آبه بالمجهول أو المستقبل المرسوم؛
في طريقه، إلتقط لعبة أطفال مسطحة مصنوعة من الخشب، رماها بعيدا بين الأمواج و ارتمى في أحضانها، و انطلق مسرعا باتجاه الفريق؛
اندهش الجمهور من السرعة الجنونية، و حركات السباحة التي توحي بإرادة جامحة نحو تحقيق هدف ما، كأنه مشارك في سباق محموم أو لأجل تحطيم رقم قياسي صعب المنال، لكن الحقيقة، كل الحقيقة كانت بادية للعيان، هي أن السلوك كان سلوك شخصية البطل ؛
تدافع الجمهور و تدرع لله، شجع و صفق للبطل دعما و قربا للانتصار، و صل شابنا الأسمر للفريق فتعاونوا على وضع صغيرهم فوق الخشبة التي حملته للحياة، فوعد الأسمر جميع أعضاء الفريق بالعودة من أجلهم بكل طاقة و سرعة بعد إيصال الصغير و هو مغمى عليه إلى بر الأمان؛
بلغة العاطفة و الشهامة تجاوب باقي أعضاء الفريق مع بطلنا الأسمر، يترجون منه إنقاد الصغير حالا، دون الاهتمام بالباقي، فقط من أجل إنقاد الصغير الضعيف الوهن و المشاكس، خوف إنسان على إنسان… و تضحية لأجل الغير ؛
خرج بطلنا بصغيرنا بحفاوة من قبل من كانوا على البر، واصل الفريق المسار بروح مغايرة، بعدما تيقنوا أن الغريق بأمان، ازدادت راحتهم و اختفى ثقل الموت، و عادت مجددا خفقات الحياة و تقلصت المسافة بين الفريق و ساحل ” الجزيرة ” ، و تقلصت أكثر حين سمع الفريق الذي لا زال يقاوم، فرح الجمهور و زغاريت النساء و صلاة الرجال على النبي، تسارعت الضربات و كأنها انطلاقة جديدة بطاقة جديدة مسحت كل العياء و السهد الذي لحق بهم و كأن كل الذي فات كان سرابا؛
وقف القائد، بصرخة قائد، عانق أعضاء الفريق ” الجنبات” ، وضع قبلة مفتوحة المعاني على جبين الصغير، و شكر كثيرا المنقذ و بطل ” الجزيرة”، ليرفع شارة النصر داخل دائرة الجمهور معلنا انتصار الحياة تحت التصفيق، و ملوحا على غدر البحر، بقبضة اليدين، بالوفاء للإنسان.
في القصة حكاية وقعت بعض تفاصيلها بساحل المسيطرو ” الجزيرة ” يوم الأحد 23 غشت 2020 و يعود سبب تسطيرها إلى بعض القيم و المبادئ و الرسائل التي نعتقد أنها أزيحت عن عالم الإنسان، لكنها تظل ساكنة فينا و تعيش معنا و تشكل جزءا من تربتنا و تربيتنا؛
أردت تقعيد الحكاية لإخراج دور البطولة المكنونة في كل شخص إلى سلوك و لإعادة إحياء المرجع و القدوة، و أن نبحث في داخلنا قليلا عن شخصية البطل، و أن نعيش لأجل بعضنا حتى في زمن الرداءة أو زمن الكورونا.
يوسف الغرافي
العرائش بتاريخ 23 غشت 2020
