حكاية سوق “شارش ستريت” Church Street Market (الجزء الثاني)

العرائش نيوز:

ألقي بي داخل عربة باردة في مؤخرة الشاحنة مع كومة من صناديق بلاستيكية..أوعية فارغة.. وقضبان حديدية مع بعض حبال القنب، جلست وحيدا فوق غطاء بلاستيكي “باش” مخطط بالأخضر مطوي على أربع، فيما ركب الثلاثة في مقدمة الشاحنة. لم يكن يتسع المكان لأكثر من ثلاثة أشخاص. صوب حسن إلي نظرات شاحبة وكأنه يحاول قراءة ما يموج في خاطري، ثم أسدل علي الستار بقوة. تم القذف بي كشخص منبوذ داخل العربة ، يا لها من تعاسة ! يا لسخرية القدر! منذ شهرين فقط، كدت أصير أستاذا والآن تجدني متكدس مع الصناديق وقضبان حديدية صدئة خلف الشاحنة. لن أتخلى أبدا عن حلمي القديم بأن أصبح أستاذا. كنت أتخيل نفسي داخل الفصل بين طلبتي مزهوا أشرح لهم مادة الفيزياء، وإذا بي أرفع عيني نحو أرتال من صناديق وسخة.

أخذت العهد على نفسي أن أخوض مباراة الأساتذة من جديد بعزم وإصرار هذه المرة. لن أحقد على وطني القاسي رغم تخليه عني، حلمي القديم أن أصير أستاذا مازال يراودني . ستكون السنة الآتية مفصلية في حياتي . قد لا أبالغ إن قلت كلما ازدادت خيبتي هنا ، ازدادت غربتي ووحشتي إلى وطني ، فأنا لن أتحمل البقاء مستخدما عند حسن يطوف بي شوارع لندن في شاحنة مهترئة. لم أكن أتصور أن الحياة  قاسية إلى هذا الحد في بلاد الإنجليز وأنا الذي كنت أرى شبابا مهاجرين يقودون سيارات فارهة في شوارع مدينتي. يرتدون ملابس فاخرة بماركات عالمية، يمشون الخيلاء مزهوين أمام الناس. رأيت بأم عيني شابا يدعى حليم رجع إلى المغرب خلال عطلة الصيف بسيارة مكشوفة من نوع “أوستين” بعد سنتين قضاها في المهجر. كان يسابق زملاءه المهاجرين بسرعة فائقة في كورنيش العرائش، أصوات موسيقى صاخبة تنبعث من سيارته الفارهة، يمر أمامنا مسندا ذراعه الأيمن على نافذته ، ينفث دخان سيجار كوبي في الهواء منتشيا . كان محط أنظار فتيات جميلات ، شباب يركضون وراء سيارته فيلتصقون بها وكأنهم يتمسحون بجدران ضريح طلبا للبركة ، يتملقون لحليم ، يتزلفون إليه ، ويطلبون وده . كان يوزع ابتسامته عليهم وكأنه الأمير شارلز قد حل ببلدتنا.


شاهد أيضا
تعليقات
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.