حكاية سوق “شارش ستريت” Church Street Market (الجزء الأخير)

العرائش نيوز:

من داخل هذه الشاحنة استوعبت درس المهاجرين جيدا، أدركت أن الحياة في لندن ليست وردية كما كنت أتوهم، إن رغبت في جمع المال وتصنع مثلهم ، فعليك أن تركب شاحنة باردة وتطوف بك شوارع لندن فجرا، أو تمضي ساعات طويلة تغسل الصحون بقبو مطعم إيطالي. بعضهم يكنسون المكاتب في إدارات شاهقة، ينظفون عمارات بمواد تطهير تزكم الأنوف ، يبيدون حشرات خطيرة بسوائل كيماوية سامة إذا لزم الأمر. أدركت أن مراكمة المال بلندن يقتضي جهدا بدنيا وعملا مضنيا شاقا.

كان حسن يقود شاحنة زرقاء من نوع بدفورد، الطقس شديد البرودة، سكون الليل يخيم على منطقة لاتيمار رود، شقشقة الطيور تصل أذني من أشجار متراصة على جانب الشارع ، ترن في أذني فتحدث صوتا شجيا وكأنها سيمفونية هادئة.

إحساس الدوار يستبد بجسدي غير المتوازن، ذهني شارد ومشتت، أمضيت ليلة متعبة أطارد فيها كوابيس مرعبة.

أخذت الشاحنة تخترق شوارع لندن تجاه السوق، أصابعي تكاد تتجمد من شدة البرد القارس سيما عندما ألمس قضبان الحديد من حولي ، عند المنعرجات أحتمي بجزء من غطاء بلاستيكي حتى لا تسقط الصناديق فوق رأسي.

يداهمني إحساس غريب وأنا ممتطي مؤخرة الشاحنة، أهذه هي لندن؟! طوال حياتي وأنا أمسك بكتبي وأقلامي، والآن تجدني داخل عربة موحشة. حظي اللعين يعاندني، خلت نفسي ممتطيا شاحنة عمال كادحين في طريقهم إلى ضيعات الفراولة بمولاي بوسلهام.

عند وصولنا إلى سوق شارس ستريت، وجدنا شابة إنجليزية شقراء تدعى مارغريت تنتظرنا عند المربع المخصص لنصب الكشك، علمت بعد ذلك أنها زوجة حسن، تعرف عليها منذ أيام الطفولة بالمدرسة، فقررا أن يلجا ميدان التجارة بعدما انقطعا عن الدراسة في سن مبكر. كانت مارغريت شابة هادئة وذكية ، تمتلك خبرة طويلة في إدارة تجارة الأسواق. تشتغل بجد وإصرار، تحدث الزبناء بلطافة عكس زوجها الذي كان فظا صعب المراس، حسن شاب صارم يشتغل بدون كلل لساعات طويلة، لكنه سريع الغضب وطبعه متشنج.

ذات صباح بينما كانت مارغريت ترتب البضاعة فوق رفوف الكشك، اشتبك حسن في الكلام مع أحد زبنائه الأفارقة. أسلوب التجارة عند الانجليز يقتضي اللباقة والإتكيت في الحديث، الزبون دائما على صواب حتى لو أخطأ، فهو الذي يدفع المال. هذه المقولة لا تنسحب على الشاب حسن، بمجرد ما تفوه الزبون الإفريقي بكلمات لاذعة حتى انتفض حسن واستشاط غضبا، انتفخت أوداجه وجرت في عروقه دماء العروبة المشتعلة.  تصايح الرجلان ثم انخرطا في مشادة كلامية حادة، تطور الأمر إلى نطحة رأسية من طرف حسن وبدأ التشابك بالأيدي. أسقطه أرضا بلكمة مباغتة وأخذ يمطره بضربات قوية وكأنه علي كلاي. تدخلت مع محمد على وجه السرعة لفض الاشتباك غير المألوف في السوق. كاد حسن ان يفتك بزبونه، هذا الأخير اخطأ طريقه وأساء تقديره، ظن أن حسن مثل باقي التجار الإنجليز والهنود يتقبلون الكلام الناب بصدر رحب، لم يتصور الزبون الإفريقي أن الشاب المنحدر من قبيلة سوماتة العنيدة قد ينقض عليه، فيتحول من تاجر وديع إلى وحش آدمي مجنون.

وقفت مارغريت جامدة في مكانها ترقب المشهد العنيف، لاح هول الصدمة على وجهها، لا تكاد تصدق ما تشاهده من جنون غير مبرر ، وما عساها أن تفعل؟، فهي تحب زوجها وتعرفه منذ كان طفلا صفيقا بالمدرسة ، وتعشقه كثيرا رغم رعونته وقسوته.

بعدما نصبنا الكشك الحديدي فوق المربع، أسدلنا “الباش”. بعدها امتطيت الشاحنة مع حسن وتوجهنا سويا نحو سوق الجملة “كوفن غاردن” لجلب بضاعة اليوم. جلست أنصت إليه بشغف فيما كان يقود شاحنته بهدوء، طفق يحدثني بتباه عن ذكريات ماضيه بلندن ، طوال الرحلة وهو يحكي عن شجار عنيف نشب بينه وبين زبون مصري استخف به ، فلقنه درسا على غرار درس الزبون الإفريقي.


شاهد أيضا
تعليقات
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.