العرائش نيوز:
بقلم: عبد الصمد الشنتوف
وصلت إلى مقهى كازابلانكا، توجهت نحو المقصورة وسلمت حقيبتي لمصطفى صاحب المقهى . قلت له : هذه أمانتي بين يديك ، فاحفظها لي وسأعود لاحقا.
عدت إلى المربع الأول حيث لا سكن ولا عمل . تطفح على وجهي ملامح الخيبة والتذمر .
سألني مصطفى :
– وإلى أين أنت ذاهب؟ !
قلت له :
– إلى منطقة “غرين بارك” أبحث عن صديق لي يشتغل هناك بمطعم فرنسي يدعى”بستينغو”.
نظر إلي نظرة حزن وإشفاق ، متحسرا على وضعي البئيس ، بعدها أخذ نفسا عميقا وقال: – ستجدني هنا بانتظارك لما تعود ، وفقك الله يا تعيس الحظ .
أكاد أجزم أنه كلما ضاقت بي الدنيا وتثاقلت علي الهموم ألجأ إلى صديقي خالد. فهو شاب تعرفت عليه في إحدى مقاهي العرائش عبر صديقي عماد منذ كنا شبابا مراهقين. لازلت أذكر تلك اللحظات الجميلة التي جمعتني به ونحن نتسامر في مقهى أطلس . كنا نرتاده كل مساء ونستغرق في أحاديث مثيرة مطولة إلى ما بعد منتصف الليل . كان مقهى أطلس فسحتنا الوحيدة للهروب من الروتين اليومي وملل الحياة . صاحب المقهى إدريس بدوره كان يأخذ مكانه في منضدة بجانبنا ، غالبا ما كان يجالس “الحاج الديوري” و “عمرية” لاعب كرة القدم سابقا. حديثهم كان يختلف عن حديثنا، واهتماماتهم ليست كاهتماماتنا. يتحدثون عن حنين إلى الزمن الجميل في عهد الإسبان . عمرية لا يكف عن التباهي بمساره الكروي العتيد، بينما نحن كنا نرسم خريطة مستقبلنا ، نحكي عن آفاق الدراسة والهجرة إلى أوروبا في آن واحد . قهقهات إدريس تجلجل في الفضاء وتصل إلى آذاننا. قلت لخالد لعلها نكتة أو حكاية طريفة يطلقها الحاج الديوري إرضاء لصديقه إدريس واستمالة قلبه. هذا الأخير كان يمتلك مشاريع عديدة في المدينة ويديرها بنجاح لافت . كان إدريس رجلا بدينا صارما مهابا ويتزلف إليه الناس . قد تحسبه منشغلا في حديث ما مع جلسائه ، لكن عينيه المتقدتين ترقبان كل شيء يتحرك داخل فضاء المقهى . أحيانا كان يزمجر ويصرخ بقوة في وجه نادليه، ويظل جالسا على كرسيه طوال المساء يصدر أوامره لمستخدميه وكأنه الزعيم الريسوني . لم يسبق لي ان اقتربت منه أو حدثته في شيء ، لكنه كان يدردش أحيانا مع خالد ويسأله عن والده المقيم بجبل طارق. غالبا ما كان خالد يدفع عني فاتورة القهوة او أي مشروب آخر.
وصلت إلى “غرين بارك” ، طرقت باب المطعم الفرنسي أسأل عن خالد ، خرج علي مبتسما كعادته مرتديا بدلة الشاف “ألان دوكاس” واضعا قبعة بيضاء على رأسه . كان يشتغل كمساعد في المطبخ . رددت في نفسي أبياتا من شعر البارودي حين لمحت خالد:
ليس الصديق الذي تعلو مناسبه // بل الصديق الذي تزكو شمائله
إن رابك الدهر لم تفشل عزائمه // أو نابك الهم لم تفتر وسائله
حكيت له في عجالة وضعيتي الصعبة، رد علي فورا:
– أنا مقيم حاليا عند عمي “مبارك”، غدا سيسافر إلى المغرب في إجازة صيفية، ويمكنك الإقامة معي ابتداء من الغد.
اتفقنا على اللقاء عند محطة “كامدن تاون” على العاشرة صباحا.
ذهبت إلى حال سبيلي منتشيا ، والسؤال الأكبر يطرق رأسي : إلى أين أنا ذاهب ؟! كيف سأقضي ليلتي إلى غاية الصباح ؟! هل سأعود مرة اخرى لأطرق باب عبدالسلام من جديد ؟! . فكرت في الموضوع مليا ، فآثرت أن أظل متسكعا طوال الليل في شوارع لندن وساحاتها بدل إحراج عبد السلام مرة أخرى. سألجأ إلى باصات الليل، إنها الملاذ الآمن، سأنام فيها وأتناسى همومي ، سوف أطوف لندن في الباصات من أقصاها إلى أقصاها. قررت أن أخوض تجربة جورج أورويل الذي عاش حياة التسكع والتيه في شوارع لندن خلال الثلاثينيات. خلت نفسي بطل قصيدة الشاعر سليمان جوادي يحكي فيها عن يوميات متسكع محظوظ. شعرت بالحظ يداعبني حينما وقف خالد إلى جانبي . لقد أصبح سندي ومظلتي . يقيني من حر الشمس وبلل المطر ، فالصداقة ملح الحياة كما يقولون .
