أنا وموح والشيخ الكامل في ميدان الطرف الأغر (الجزء الثاني)

العرائش نيوز:

بقلم: عبد الصّمد الشنتوف

أمشي وحيدا تجاه بيكاديلي. كان الطقس جميلا ومعتدلا. الساعة تجاوزت الثامنة مساء، الشوارع مزدحمة بالمارة والسياح، أغلب الناس يبدون سعداء، وأنا أيضا تغمرني السعادة رغم حظي البئيس. قررت ألا أستسلم للفشل وأصد اليأس حتى لا يتسرب إلى قلبي. لم يعد يفصلني عن ساحة “ليستر سكوير” سوى بضع خطوات، تعج الساحة بالزوار والسياح. أرى شابة شقراء عشرينية بملابس بوهيمية تعزف الموسيقى على القيتارة مع كلب قصير يجلس بجانبها وهو يرتدي شورت أحمر يستر عورته، يستمتع بمعزوفات سيدته مثلنا، يحدق في وجوهنا دون أن ترمش عيناه. يبدو وكأنه متعود على هذا المشهد، تعزف الشابة موسيقى سايمون وغارفونكل المألوفة للجميع، أخذني مقطع “أوف سايلنس” إلى عالم السحر والجمال. أنساني كربتي وتسكعي. المشهد ولد الأمل في قلبي، جعلني أفكر انه يمكن للحياة أن تستمر وتسير نحو الأفضل .

تضم فرقة موسيقية أخرى شخصين من بلاد بيرو بملامح ولباس الهنود الحمر، يعزفان موسيقى هادئة تطرب الروح على ناي الخزيران أغنية (إلكندور باصا)، خلت نفسي أتجول بين أدغال الأمازو . جلست قبالة مسرح “هيبودروم” الشهير أرتشف فنجانا من القهوة قبل أن أنتقل إلى ميدان الطرف الأغر .

جلست تحت تمثال الأميرال نلسون بوسط الميدان هنهية من الوقت لأستريح. نظرت على يميني فوجدت كهلا إنجليزيا يرتدي أسمالا بوهيمية ممسكا بكتاب يكاد يلتهمه ..تبادلنا الحديث ، عرفت أنه يعيش حياة التشرد منذ أكثر من ثلاث سنوات. سألته

– من يكن صاحب التمثال نلسون؟ .

انطلق يحدثني ويلقنني درسا في التاريخ، لمست من كلامه أنه شخص مثقف يذكرني بمتسكع آخر في العرائش يدعى لوديي.

رد علي المتشرد قائلا

– في عام 1805 نشبت معركة بحرية في مياه المحيط الأطلسي بين الأسطول الإنجليزي ضد الأسطولين المتحالفين الإسباني والفرنسي قرب رأس طرف الأغر بقادس جنوب إسبانيا. وهذا الميدان سمي باسم تلك المعركة التي انتصرت فيها البحرية البريطانية انتصارا ساحقا وهذا التمثال يخلد للأميرال نلسون بطل المعركة .

لمحت شابا بسحنة عربية على الجهة اليسرى من التمثال، اقتربت منه لأستفسره عن باصات الليل وكأني أستعد للذهاب للنوم. كشف لي الشاب عن نفسه بلطف قائلا: إسمي موح وأنحدر من الجزائر، عرفته بنفسي وانغمسنا في دردشة عابرة، حكيت له ظروفي وتفاصيل قصتي التي قادتني إلى هذا الميدان. استلطف موح حديثي معه وتأسف لي عن معاناتي قائلا :

-إن المئات من المشردين والمتسكعين يتوسدون الأرض ويلتحفون السماء في شوارع لندن .

– قلت له وأنت ماذا تفعل هنا في لندن؟! فصعقني برده الذي لم أكن أتوقعه، قائلا

– أنا نشال أنتشل الحقائب اليدوية في الشوارع والميادين، وغالبا ما أستهدف السواح الأجانب !

– وهل في نظرك هذه مهنة؟ !

– نعم ..امتهنتها منذ كنت مقيما بمدريد ..!

– ألا تشعر بالخجل وتأنيب الضمير من هذا الفعل؟ !

– لا لا، أنا لا أنتشل المسلمين !

– إذن أنت تنتشل حقائب النصارى وتعتبر هذا جائزا؟ !

– نعم، أليس هؤلاء النصارى الأوغاد قتلوا أجدادنا ونهبوا بلادنا لعقود من الزمن

– تريد أن تقول لي أنك هنا لتسترد ما نهبوه وسرقوه من بلادنا؟ !

– أكيد، أكيد !

– اسمح لي صديقي موح، فأنا أخالفك الرأي وأعتبر هذا فقها منحرفا .

– هذا رأيك، أما أنا فأستأنس بفتوى أخذتها عن بعض الشيوخ

صمت قليل ثم استرسل في حديثه

– عندما كنت أقطن بمدريد، انتشلت حقيبة فطومة المغربية.. فدعت علي باسم الولي الصالح “الهادي بنعيسى”، بعدها شلت قدمي اليسرى واعوج فمي لمدة ثلاثة أشهر، شفيت واسترجعت عافيتي بعد ذلك. منذ ذلك الحين وأنا أتجنب سرقة المسلمين والمغاربة خاصة .

– سألته:

– ولماذا المغاربة خاصة؟ !

– لأن المغاربة لديهم أولياء صالحون أقوياء يبطلون العين والسحر، وإذا دعوا عليك أصابتك مصيبة وكأنه صاروخ غراد أصابك في مقتل .

ضحكت مندهشا من هذا الوصف المجنون حتى ظننته يمزح معي، إلا أنني فوجئت لما علمت أنه يعتقد فيما ذهب إليه اعتقادا راسخا. بدا لي فعلا أنه يخشى المغاربة ويتجنب طريقهم .. أضاف قائلا :

– هاجمت امرأة أنيقة منذ بضعة شهور بساحة “ليستر سكوير”، كانت ترتدي نظارات شمسية من نوع “غوشي” وشعرها أشقر مصفف. ظننتها سائحة إيطالية، لكن عندما انتشلت حقيبتها بسرعة خاطفة بدأت تصيح وتصرخ بأعلى صوتها: (صاكي، صاكي، واعطيني صاكي)، علمت لحظتها أنها سائحة مغربية فتذكرت فطومة والولي الصالح “الهادي بنعيسى”. عدلت عن قراري بعدما تملكني الخوف، ورجعت عندها مسرعا لأناولها حقيبتها مرتجفا ومعتذرا منها قائلا: سامحيني، سامحيني مدام، أنا لا أسرق المسلمي ، ثم انصرفت واختفيت وسط جمع غفير من الناس .

ضحكت كثيرا من حكاية موح الطريفة حتى دمعت عيناي، حكاية حبست أنفاسي.

وقلت له مازحا: لا يثنيك عن عملك وجرمك هذا سوى الولي الصالح الشيخ الكامل، فرد علي مرتعشا: ومن هو الشيخ الكامل؟ فأجبته هازئا: هو الولي الصالح “الهادي بنعيسى” نفسه دفين مكناس .


شاهد أيضا
تعليقات
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.