قفشات من صخب الصبا 20 – “سيدي بوقنادل”

العرائش نيوز:

محمد اليشيري

صبيحة أمس.. وأنا أواجه النسائم الرطبة القادمة من البحر، عند الموضع المطل على البطاريات الدفاعية المقوضة بالساحل الصخري أسفل الشرفة الأطلسية. فجأة تذكرت معلمة قديمة، كانت مألوفة لدينا ولدى غالب رواد شاطئ خباطة والمحيط المجاور له. كانت تؤثث ذلك الفضاء ببنائها الفريد، وهيبتها المتجلية.. وتفرض احتراما عاما على الجميع بما يروى عن صاحبها من قصص بحرية وجهادية غريبة. هذه المعلمة هي عبارة عن بيت بسيط بأربعة جدر سميكة، غير مسقف وبباب مفتوح دوما.. وبداخله بعض الصخور ذات الحجم المختلف. تكسوها طبقات من الجير الأبيض، نصبت في شكل كانون كبير، مؤثث بعدد من الكرات الحديدية الصدئة، وبعض آثار الشموع المذابة.. إنه مقام سيدي بوقنادل. حارس المدينة وحافظها من غدر البحر..
رغم ارتيادنا الدائم لهذا الشاطئ في مراحل الصبا، خاصة في فصل الصيف. لم نجرؤ يوما على ولوجه أو الاقتراب منه. كنا نهابه كما نهاب فقيهنا بمسيد الحي. ونتوجس من عواقب قد تحصل لنا في البحر بسبب تجرؤنا على أحد حراسه المبجلين..
ذات صباح طويل من صباحات منتصف شهر غشت، حيث يدوم الجزر الكبير لساعات بشاطئ خباطة، الرائع بأمواجه المتناغمة مع رغباتنا الجامحة. وحتى لا يسبقنا أقراننا من أحياء المدينة العتيقة، ويحتكروا الأماكن المفضلة من الشاطئ. كونهم جيرانه والأقرب إليه. وفدنا إليه مع أول شعاع ساخن للشمس يطل خلال ذلك اليوم. وحيث كنا لا نعطي أهمية لأي شيء آخر قبل إدراك متعة السباحة في هذا الشاطئ، حضرنا وليس في جعبتنا سوى ما يعادل قيمة درهم واحد من “تشورو” فرقناه بيننا نحن الثلاثة لنخدع معدتنا، ونشغلها عن احتواء ما يمكن أن يتسرب إليها من ماء مالح لوحده.. ولعل تطلعنا إلى الاستمتاع بكل دقيقة من دقائق هذه الحالة البحرية السنوية أغنانا عن التفكير في الطعام أو الإحساس بالجوع..
وبما أن التوفيق له إشارات، فقد بدأ يومنا الرائع هذا بغير ما كنا نخطط له.. فعند نزولنا من فتحة الإفريز الصخري عند المرافق الصحية المندثرة خلف الشرفة الأطلسية، وتوجُّهِنا إلى وجهتنا المقصودة.. إذا بنا نُفاجأ بصوت ناعم ينادي علينا من جهة سيدي بوقنادل، ويدعونا إلى ميدونة مقببة بالرغيف الطازج والشهي..
كانت شابة في مقتبل العمر، جاءت بهديتها مع شروق شمس هذا الصباح، ووضعتها فوق الكرات الحديدية داخل البيت المذكور، وشرعت في الدعوة إلى تناول الرغيف بما يكفي وزيادة.. وتطلب من السابقين المناداة على باقي الحاضرين ليتناولوا نصيبهم.. فهذه بركة صاحب البحر سيدي بوقنادل لوافديه من رواد البحر حسب ما كانت تقول..
كانت هذه هي المرة الأولى التي ألج فيها هذا المقام المهيب، وكانت سببا في إتمام متعتنا، وتأهيلنا إلى الفقرة القادمة من برنامج يوم حافل، بدأت بشائر يمنه باكرا.. ومن تم وأنا أذكره كلما شممت رائحة رغيف يشبه هدية سيدي بوقنادل.. وغالبا ما أجد هذه الرائحة عند اشتداد الجوع، وصدفة وجود الرغيف..
مقام سيدي بوقنادل اندثر إلى الأبد. ولم يعد له أثر سوى في ذاكرتي، وربما ذاكرة تلك الفتاة التي أهدت رغيفها له في ذلك الصباح المبارك إن هي حققت مبتغاها، ما دامت مثل هذه الهدايا مع بعض الطقوس التي كانت تمارسها عند جنباته هي وصفات لإدراك غايات..
مقام آخر مماثل لسيدي بوقنادل، كان لا يفارق بصرنا في مرحلة الصبا. سواء كنا نمارس صخبنا الدائم في ساحة الحي، أو عند زيارتي لأعز صديقين يقطنان بجواره في قلب حي جنان بيضاوة. إنه مقام سيدي علال.. هو عبارة عن شجرة تين قديمة، يتوسط جدعُها إلى مستوى المتر والنصف كومةً من الحجارة ذات الحجم المختلف، وعدد من الكرات الحديدية.. والجميع مكسو بطبقات من الجير الأبيض، ومهيأ على شكل كانون دائري، معاكس لمطلع الشمس، ومرصع بخيوط متناثرة من دخان الشموع..
هذه الشحنة المقدسة من الصخور، تقطن بجوارها في سكن بسيط ذي باب مزدوج من القصب، عجوز سمراء تدعى “ختي خيرة”. وهي من كانت تحرسها. وتبشر برؤاها الدائمة حول تكليفها بذلك.. كانت مقطوعة من شجرة. لا أصل لها ولا فرع.. لكن الجميع كان يهابها ويخشى الاقتراب منها أو إغضابها. وكذلك نفعل نحن..لأن شكواها إلى آبائنا غالبا ما يعقبها عقاب شديد. كانت شديدة الإيمان بولاية سيدي علال ولا يزلزل أحد يقينها بكون هذا المقام هو مقامه..
سيدي علال هذا، هو وليّ صالح مشهور بين أهل الحي.. لكن، لا أحد يعلم عنه شيئا.. ومع ذلك، كانت له عمارة من حين لآخر من قبل طائفة بداوة. المعروفة بالبخّ على المصاب بالسعار، وازدراد البقر المسعور.. فكلما حنّ هؤلاء إلى إحياء ليلة للفرجان، هبّوا إليه واحتلوا محيطه، وأطلقوا العنان لممارسة طقوسهم في التضحية والحيرة. والمناوبة على لعق المناجل الحارقة في مشاهد فرجوية غريبة كغرابة إيمانهم بعلاج داء الكلَب..
الآن، وكما حصل مع سيدي بوقنادل. سيدي علال، لم يعد سوى رسم خافت في ذاكرتنا. فبعد رحيل “ختي خيرة” رحمها الله والفتور الذي أصاب الطائفة البدوية التي لم تعد تحيي لياليها بالحي، غنم صديقي جار المقام الكرات الحديدية جميعها ثم باعها لبا العربي الشريف، ليمارس بها هواية دفع الجلة خلال نزهاته الصاخبة.. وما بقي من صخر تفرق عبر مراحل حتى اندثر أثره.. ولم يبق سوى التينة العتيقة وقد اجتثت هي أيضا بعدما ضمتها إحدى الدور المجاورة إلى ساحتها.


شاهد أيضا
تعليقات

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.