العرائش نيوز:
طلحة جبريل
كانت جولة ممتعة ذلك الصباح في شوارع وأزقة العرائش. بدأت بزيارة “مقهى سنترال“. في هذا المقهى تناول الثائر الأرجنتيني إرنستو تشي غيفارا فنجان قهوة. لا أحد يتذكر التفاصيل، لكن نخبة المدينة خاصة اليساريين يتحدثون كثيراً عن تلك الواقعة.
مقهى آخر يسمى“بوينتي“ابتكر طريقة مميزة لجذب الزبناء عن طريق القراءة شعارها “لحظات تجمعنا” .
في الصندوق الزجاجي الذي يفترض أن يضع فيها الزبناء الكتب المتبرع بها كتبت عبارة “جميع الكتب مرحب بها شريطة أن تكون في حالة جيدة”.
توقفنا مع رفاق الجولة نتأمل أمواج الأطلسي واللقاء بين المحيط ونهر اللوكوس، قوارب الصيد تتأرجح فوق الأمواج.أصوات بحارة متداخلة.
كانت وجهتنا بعد ذلك، بناء على اقتراح عزيز قنجاع رئيس جمعية فضاءات ثقافية والشاعر محمد عباد،مقبرة تضم رفات عسكريين إسبانيين.كانت المقبرة مغلقة، طلب محمد عباد من سيدة تسكن بداخلها فتح الباب، فعلت ذلك ورحبت بنا.
ترحيبها أثار فضولي، مهلاً سأقول لكم سبب ذلك الترحيب.
لاحظت أن القبور لا توجد عليها أسماء، تفسير ذلك أن الجنود الذين دفنوا في المقبرة قتلوا خلال معركة وبالتالي تعذر التعرف على هوياتهم.
لم يكن الغرض زيارة تلك القبور، بل زيارة قبر الشاعر والروائي والمسرحي الفرنسي“جان جينيه”، ورفيقه في الرقدة الأخيرة الصحافي والأديب الإسباني خوان غويتيسولو .
دفن جينيه في قبر شبه مهمل يطل على المحيط يفصله عن الشاطيء سور حجري متآكل.كتب اسمه على شاهد قبره ، وهو عبارة عن مربع أسمنتي ثبت على حجر طلي باللون الأبيض.
اقترح عباد أن أكتب كلمة في دفتر تمزقت أوراقه تحتفظ به السيدة التي استقبلتنا عند باب المقبرة.
علمت بأن سبب وجودها في المقبرة أن ترشد الزائرين لقبر جينيه.
كتبت بعض الجمل بالعربية والإنجليزية.
لا أزعم معرفة بأعمال جينيه، لكن قرأت وسمعت من الصديق محمد شكري بعض تفاصيل حياته.
عاش جينيه حياة التشرد إذ كان لقيطاً تخلصت منه والدته في ملجأ لرعاية اللقطاء،عاش مع اللصوص والسكارى ومدمني المخدرات، عندما جاء العرائش عاشر الأشقياء.
كُتب على شاهد القبر أن تاريخ ميلاده في عام 1910، وتاريخ رحيله في 13 و14 أبريل 1986، وهو ما يعني أنه ظل يحتضر طوال الليل وفارق الحياة فجراً.
كان ختام الجولة التمشي في “السوق الصغير”. سوق عبارة عن لوحة رسمت بالأزرق والأبيض.أبواب وجداريات وأقواس مزخرفة تتدلى منها الورود ومعمار أندلسي،وقطط تتكدس فوق الساحة تغط في نوم عميق.نعم نوم عميق .
سمعت الكثير من أحاديث السياسة والثقافة.
يكيل كثيرون إنتقادات عندما يتحدثون في السياسة، ويتباهى كثيرون عندما يتحدثون عن الثقافة.
العرائش حقاً مدينة مدهشة.
