العرائش نيوز :
ذ : مروان بل
أُفرغت مدينة القصر الكبير من سكانها كما تُفرغ منطقة مهددة بخطر وشيك. في ظرف ساعات قليلة، وجدت مدينة بأكملها نفسها تحت تهديد مباشر لمياه وادي اللوكوس، ما فرض إجلاءً جماعيًا مؤلمًا وصادمًا. عائلات غادرت منازلها، متاجر أُغلقت على عجل، وأحياء كاملة غرقت في الصمت. ما حدث ليس مجرد حالة طقس استثنائية، بل هو نتيجة تراكمية لقرارات متأخرة، وضعف في التنسيق المؤسساتي، واختلالات واضحة في حكامة تدبير المخاطر، عُوِّضت في اللحظة الأخيرة بتعبئة بشرية بطولية.
في قلب هذه الأزمة يوجد سد وادي المخازن، وهو منشأة استراتيجية ضمن حوض اللوكوس. لقد بلغ السد نسبة ملء 100% في سياق تساقطات مطرية متواصلة وتدفّقات مائية مرتفعة. ووفقًا للمعايير الدولية لسلامة السدود، فإن بلوغ هذا المستوى خلال فترة أمطار نشطة يُعد وضعًا حرجًا. فالسد ليس مجرد خزان للتخزين، بل أداة للحماية من الفيضانات، ويجب أن يحتفظ بهامش أمان هيدروليكي لامتصاص الذروات. وعندما يختفي هذا الهامش، تنتقل الإدارة من الوقاية إلى الإكراه، وتصبح قرارات التفريغ مفروضة لا مدروسة.
وهنا تبدأ المسؤوليات المؤسسية الواضحة.
أولًا، تقع المسؤولية التقنية المباشرة على عاتق وكالة الحوض المائي اللوكوس، باعتبارها الجهة المكلفة بتدبير الموارد المائية على مستوى الحوض، ومراقبة الواردات المائية، واقتراح سيناريوهات التفريغ، وضمان التنسيق بين السدود والسلطات الترابية. دور الوكالة لا يقتصر على الرصد، بل يشمل **الإنذار المبكر، والتوصية الاستباقية، وتقدير المخاطر على المناطق السفلى. بلوغ السد نسبة 100% دون اتخاذ إجراءات وقائية كافية في وقت مناسب يطرح تساؤلات جدية حول فعالية آليات التوقع، وسرعة اتخاذ القرار، ومدى إشراك الفاعلين المحليين في الوقت المناسب.
ثانيًا، تتحمل السلطات المحلية وجماعة القصر الكبير مسؤولية لا تقل أهمية. فدورها يتمثل في تدبير المجال الحضري، وتطبيق وثائق التعمير، ومنع أو الحد من البناء في المناطق المعرضة للفيضانات، وصيانة شبكات تصريف المياه، وتفعيل خطط الطوارئ المحلية. إن تراكم سنوات من التوسع العمراني داخل المجال الفيضي لوادي اللوكوس، دون بنية تحتية ملائمة أو حماية هيدروليكية كافية، جعل المدينة شديدة الهشاشة أمام أي ارتفاع غير عادي في منسوب المياه. كما أن التأخر في اتخاذ قرارات الإجلاء الوقائي زاد من حجم الصدمة الإنسانية.
ثالثًا، تأتي مسؤولية وزارة التجهيز والماء باعتبارها الجهة الوصية على سياسة السدود بالمملكة، والمسؤولة عن وضع قواعد استغلالها، والمصادقة على مخططات تدبير الفيضانات، وضمان انسجام القرارات بين المستوى المركزي والجهوي. إن الوصول إلى حالة امتلاء كامل للسد في فترة فيضانات نشطة دون الحفاظ على هامش أمان، ودون تفعيل مبكر لتفريغات تدريجية ومنسقة، يكشف عن خلل في الحكامة التقنية على المستوى الوطني، وليس فقط المحلي.
أما النتائج، فقد كانت ثقيلة. اقتصاديًا، توقفت الأنشطة التجارية، وتضررت الفلاحة، وخسرت مئات الأسر مصادر دخلها. اجتماعيًا، عاش آلاف المواطنين تجربة الإجلاء القسري، بما تحمله من فقدان للاستقرار والطمأنينة. بيئيًا، اختلطت مياه الفيضانات بالمياه العادمة والنفايات، ما ينذر بمخاطر صحية وتلوث طويل الأمد، حتى بعد انحسار المياه.
وسط هذا المشهد القاتم، برز الدور الإيجابي والحاسم للقوات المسلحة الملكية والوقاية المدنية. فقد قامت هذه المؤسسات بواجبها على أكمل وجه: إنقاذ، إجلاء، إيواء، دعم لوجستي، ومساندة إنسانية. لقد أنقذت الأرواح وقللت من حجم الكارثة، وهو ما يستحق التقدير والاحترام. لكن الحقيقة التي لا يجب الهروب منها هي أن هذا التدخل البطولي جاء ليعالج فشلًا وقائيًا سابقًا.
السؤال الجوهري الذي تفرضه هذه الأزمة هو: هل سنواصل الاعتماد على تدبير الأزمات بعد وقوعها، أم ننتقل إلى سياسة حقيقية لمنعها؟ لقد كان سيناريو الأسوأ — تفريغ مفاجئ أو فيضان شامل — قريبًا جدًا، وكان من الممكن أن يحوّل القصر الكبير إلى منطقة منكوبة لأسابيع.
مرحلة ما بعد الأزمة يجب أن تكون مرحلة محاسبة وإصلاح، لا مرحلة نسيان. افتحاص مستقل وعلني لتدبير السد، توضيح أدوار ومسؤوليات وكالة الحوض والسلطات المحلية، مراجعة قواعد الاستغلال، وتعزيز التخطيط الحضري المقاوم للمخاطر. فالوقاية ليست ترفًا، بل شرط أساسي لحماية الأرواح والكرامة.
إن تحية القوات المسلحة الملكية والوقاية المدنية واجبة. لكن أعظم تكريم لهما هو أن لا نضطر إلى استدعائهما مرة أخرى لتعويض إخفاقات كان يمكن تفاديها. القصر الكبير لا يجب أن تكون مدينة تُجلى عند كل أزمة، بل مدينة تُدار بحكمة، وتُحمى بسياسات مسؤولة.
