العرائش نيوز:
-عبد المنعم العمراني
-الهجوم الجديد جاء في وقت كانت فيه إيران تستعد لتقديم عرض جديد في مفاوضتها مع الأمريكان، عرض وصفته مصادر إعلامية غربية – نقلا عن الوسيط العُماني – بأنه ملائم لانتظارات دونالد ترمب. لكن الأخير فضل الذهاب إلى الحرب. لماذا؟
قبل محاولة الجواب على هذه “اللماذا”، دعوني أقول كلمة في حق من يبتهجون عندنا بالهجوم الجديد. كيف يمكن لأي كان أن يبتهج بإرهاصات اندلاع حرب عالمية ثالثة؟ ما هي التركيبة الذهنية لدى من يطبل ويزمر لتحالف الصه.يو.نية مع العنصرية الترمبية لصب مزيد من الزيت على النيران المشتعلة في الشرق الأوسط وخليج فارس؟ ليست لدي أجوبة قاطعة. ولكن يمكنني أن أخمن الجواب التالي: أصحاب الطبل والمزمار لا يطبلون ولا يزمرون مجانا. بل بمقابل وبدون فاتورة. وهم عادة “لا يحسنون التخفيض.”
الآن لنعد إلى تلك “اللماذا”.
. السيد دونالد ترمب خلف ويخلف وعدا قدمه لأمريكا وللعالم بأنه سيكون رجل سلام وبأن بلاده لن تخوض حروبا أخرى في عهده الجديد. لكن يبدو أنه لم يحسب بما فيه الكفاية قوة لوبيين اثنين. الأول هو اللوبي الأزرق الذي لا تهمه مصالح أمريكا والأمريكيين بقدر ما تهمه مصالح الدولة الزرقاء وما يريده ويطمح إليه السيد بي.بي.
هذا الأخير اجتمع منذ حوالي الشهر في واشنطن مع ترمب، ومر الاجتماع في جو مشحون، بل خرج زعيم الدولة الزرقاء غاضبا. بعد ذلك عم تفاؤل حذر لدى كل من كان يدور في الردهات القريبة من مفاوضات مسقط ثم جينيف. لكن الأمر لم يدم، لتبدأ آلة الحرب الأمريكية في التحرك، ولتتغير لهجة السيد ترمب، وليطلق المسؤولون الإيرانيون تصريحات غير مسبوقة مفادها أن تدمير برنامجهم النووي ليس بالضرورة مشكلة، لأنهم قد وصلوا حاليا إلى مرحلة من الخبرة والتجربة تمكنهم من إعادة تطويره. وإيران، سواء أحببناها أو كرهناها، تُخَرِّجُ جامعاتها سنويا عددا كبيرا من المهندسين والفنيين أكثر مما تُخَرِّجُه جامعات الولايات المتحدة، التي تتفوق في تفريخ المحامين ومدراء المال والأعمال بشكل يجعلها عاجزة – أكثر فأكثر – عن مجاراة الصين وروسيا والهند وتركيا وإيران في تطوير صناعاتها الحربية والمدنية على حد سواء.
وهنا يمكن أن نفكر في السبب الآخر الذي جعل دونالد ترمب يغير رأيه ويضرب إيران. إنهم المحافظون الجدد وأعضاء حركة حزب الشاي وديمقراطيو وول ستريت، الذين يعيشون قلقا وجوديا بل وحالة من الاكتئاب منذ أن خسرت – أكرر خسرت – بلادهم، أي الولايات المتحدة، الحرب ضد روسيا في أوكرانيا. فما كان منهم إلا أن صعَّدوا من حدة ضغطهم على البيت الأبيض من أجل استرجاع نغمة النصر العسكري الأمريكي الإلهي التي تجري في عروقهم منذ قرنين ونصف؛ حتى وإن كانت أمريكا قد خسرت، بشكل أو بآخر، كل حروبها منذ ستينيات القرن الماضي: في فيتنام والصومال والعراق وأفغانستان…
وكلمة ما قبل الأخيرة:
لماذا ترد إيران بضرب البلدان العربية في الخليج؟ يحاول البعض عندنا أن يفسر ذلك باللجوء إلى الشروحات الدينية والصراع الأزلي بين السنة والشيعة.
لنُذَكِّر إذا هنا بالتالي: سكان مملكة البحرين غالبيتهم من الشيعة، كما توجد أقليات شيعية محترمة عدديا في الكويت والإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية. كما تعيش في هذه البلدان، ومنذ عقود، جاليات إيرانية كبيرة، تنشط في كل مجالات الحياة التجارية والاقتصادية والاجتماعية؛ بل وتوجد في دول مجلس التعاون الخليجي أسر عديدة وعائلات وازنة أصولها من بلاد فارس.
عندما ترد إيران على هجمات دونالد ترمب وبي.بي. بضرب أبو ظبي والدوحة والكويت والرياض والمنامة، فإنها تفعل ذلك انطلاقا من عقيدتين تؤمن بهما، عن صواب أو عن خطأ؟ ذاك أمر آخر.
. إيران تعلم أن لهذه العواصم وسائل ضغط في أمريكا وعلى أمريكا، حتى وإن كانت تعتبرهم محميات أمريكية ليس إلا.
. ثم، إيران تعرف – ويعرف معها الغرب المنافق والمطبلون والمزمرون من المحيط إلى الخليج – أن كل جيوش تلك العواصم مجتمعة لن تصمد يوما واحدا أمام قوة النار الفارسية.
إنها ليست حربا عقدية ولا حربا دينية ولا فتنة بين الشيعة والسنة، إلا في ذهن المطبلين والمزمرين ومن يكتبون و “يخللون” لترسيخ عالم ما بعد الحقيقة (la post-vérité) في أذهان العامة. فنظام الملالي ليس نظاما دينيا. الدين عند الإيرانيين يأتي في المرتبة الثانية وربما الثالثة. نظام الملالي هو في الأساس نظام قومي فارسي متطرف، يؤمن أن بلاده هي التي يجب أن تقود تلك الجغرافيا – الثرية اقتصاديا وثقافيا وتراثيا وبشريا – الواقعة بين البحر الأحمر وبحر العرب وشمال العراق وغرب آسيا الوسطى. تعتبرها طهران مجالها الحيوي مهما كانت أوضاع علاقاتها مع أمريكا والغرب: حرب وحصار أو تعاون وتنسيق.
أخيرا ولكي لا أنسى، المطبلون والمزمرون عندنا قد لا يفهمون عندما يقرأون أعلاه: أن أمريكا خسرت الحرب ضد روسيا في أوكرانيا. إن لم يفهموا فلا ضير، لأنهم قبضوا ويقبضون على كل حال… ولكن أنصحهم بالاجتهاد ومحاولة الفهم، قد يفيدهم الفهم – يوما ما – في ضرب الطبل والمزمار ولكن بإيقاعات متجددة. من يدري؟
