العرائش نيوز:
موازاة مع المتغيرات الاقتصادية المتسارعة التي تشهدها الأسواق العربية، أثار التراجع الحاد وغير المسبوق في أسعار الدواجن وبيض المائدة بكل من المغرب ومصر موجة عارمة من النقاشات التي تجاوزت حدود التحليلات المالية التقليدية لتتقاطع مع ظواهر مجتمعية وصحية لافتة؛ إذ يجد المتابع للمشهد الاقتصادي في البلدين نفسه أمام توليفة معقدة من الأسباب الهيكلية والموسيقية مضافاً إليها تحولات غير متوقعة في السلوك الاستهلاكي للمواطنين.
وفي الوقت الذي تنفست فيه الأسر الصعداء بعد موجات تضخم قياسية أثقلت كاهلها طوال الفترات الماضية، يرى خبراء الاقتصاد أن هذا الهبوط الحاد في الأسعار يعكس في جوهره آليات العرض والطلب في أنقى صورها وأكثرها تعقيداً، حيث التقت طفرة الإنتاج المحققة في المزارع مع ركود مؤقت في السحب والاستهلاك. ففي الحالة المصرية، جاء هذا الانخفاض مدفوعاً بالدرجة الأولى باستقرار النقد الأجنبي وتوافر الدولار في القطاع المصرفي، مما أمن تدفقاً منتظماً لشحنات الأعلاف الأساسية كالصويا والذرة الصفراء، الأمر الذي خفض كلفة الإنتاج وحفز آلاف المربين الصغار والمتوسطين على العودة إلى السوق وضخ دورات إنتاجية قياسية حققت فائضاً كبيراً في المعروض اللحظي، ليتزامن ذلك مع تراجع طبيعي في الطلب يرتبط بفصل الصيف وانتهاء المواسم الدراسية.
وعلى الجانب الآخر في الأسواق المغربية، اتخذ التراجع صبغة ظرفية وموسيقية بحتة ارتبطت أساساً بأجواء عيد الأضحى المبارك، وهي الفترة التي يشهد فيها النمط الاستهلاكي للمواطن المغربي تحولاً جذرياً وشبه كلي نحو اقتناء الأغنام واستهلاك اللحوم الحمراء، مما أصاب قطاع اللحوم البيضاء بركود حاد أجبر المنتجين على تصريف الدجاج الحي وبيض المائدة بأسعار أدنى بكثير من التكلفة الحقيقية للإنتاج، تفادياً لخسائر التلف وضغط مصاريف التغذية الإضافية، لكونها سلعاً حية ذات عمر تسويقي قصير لا تحتمل التخزين.
بيد أن المثير في هذه المعادلة الاقتصادية، هو بروز عامل جديد أحدث لغطاً واسعاً على منصات التواصل الاجتماعي، وتمثل في التنامي المتسارع لشعبية “نظام الطيبات” الغذائي للدكتور الراحل ضياء العوضي، والذي يحظر بشكل قاطع تناول الدجاج الأبيض وبيض المائدة لاعتبارات صحية؛ حيث يرى قطاع واسع من المتتبعين والجمهور أن التزام ملايين العائلات في مصر والمغرب بهذا التوجه شكل نوعاً من “المقاطعة غير المقصودة” التي أسهمت بشكل مباشر في تعميق ركود الأسواق وكسر الأسعار، وهو الطرح الذي يقابله المهنيون وممثلو الفيدراليات البيمهنية بنوع من التحفظ متمسكين بالأرقام الرسمية الضخمة لحجم الإنتاج الوطني التي لا يمكن، حسب رأيهم، أن تتأثر بنيوياً بنظام غذائي مهما اتسعت رقعته. وأمام هذا التباين في القراءات، يبقى الثابت سوسيولوجياً واقتصادياً أن أسواق الدواجن في البلدين تعيش عاصفة متكاملة الأركان، التقت فيها وفرة المعروض وإصلاحات سلاسل الإمداد وعوامل الطقس والمناسبات الدينية، مع وعي استهلاكي أو صحي متجدد، لترسم في النهاية مشهداً تسويقياً استثنائياً يمنح المستهلك النهائي فرصة لالتقاط الأنفاس، بينما يضع المنتجين والمربين تحت ضغط اقتصادي حاد يترقبون معه عودة التوازن المفقود للأسواق في القادم من الأسابيع لضمان استدامة استثماراتهم.
