تحقيق دولي يشعل “بوليميك” الشباك المنجرفة وصيد سمك “أبو سيف” بالشمال

العرائش نيوز:

عادت نيران الجدل السياسي والبيئي لتشتعل من جديد في الموانئ المطلة على الواجهة المتوسطية للمملكة، بعد ركود دام سنوات عقب نجاح المغرب في تفكيك منظومة الشباك العائمة المنجرفة (Driftnets). هذا الـ”بوليميك” المتجدد فجّره تحقيق حديث وموثق أنجزته مؤسسة “عدالة بيئية” (Environmental Justice Foundation – EJF) الدولية، والذي سلط الضوء على استمرار استخدام هذه الشباك المحظورة في مصايد سمك “أبو سيف” (Espadon)، مما يضع التزامات المغرب البيئية الدولية في مواجهة مباشرة مع الواقع السوسيو-اقتصادي المرير لبحارة الصيد التقليدي والساحلي بالشمال.

تحقيق مؤسسة (EJF): رصد “الخروقات” في عتمة البحر

كشف التقرير الأخير للمؤسسة الدولية عن معطيات مقلقة تُشير إلى أن “جدران الموت الخفي” —وهو اللقب البيئي للشباك المنجرفة نظراً لفتكها غير الانتقائي بالثدييات البحرية المحمية كالدلافين، السلاحف، وأسماك القرش— لا تزال تجد طريقها إلى مياه البحر الأبيض المتوسط تحت جنح الظلام.

وأوضح التحقيق أن بعض جيوب الصيد التقليدي والساحلي بموانئ الشمال (بين طنجة والحسيمة) تعتمد على “حيل تقنية” وتمويهية لإدماج أجزاء من هذه الشباك المحظورة أممياً ودولياً منذ عام 1992. كما نبّه التقرير إلى وجود “ثغرات تنظيرية” تتعلق بضعف التتبع الرقمي لقوارب الصيد التقليدي الصغيرة التي لا تتوفر على أجهزة تحديد المواقع عبر الأقمار الاصطناعية (VMS)، مما يسهل إفلاتها من المراقبة الصارمة التي تفرضها مصالح قطاع الصيد البحري.

لقمة العيش وهجمات “النيكرو”: مبررات المهنيين

على الجانب الآخر من الرصيف، قوبل تقرير المنظمة الدولية بامتعاض شديد من طرف الهيئات المهنية والبحارة، الذين يرون في هذه التقارير “إجحافاً” لا يأخذ بعين الاعتبار الواقع الميداني المعقد.

وفي تصريحات متطابقة لمهنيي الصيد بالمنطقة، أكد البحارة أن العودة الاضطرارية لبعض القوارب لاستعمال هذه التقنيات ناتجة عن “فشل البدائل الرسمية”. فالشباك السطحية العادية أو تقنية الصيد بالخيط (Palangre) التي فرضتها الدولة كبديل، أثبتت عدم نجاعتها ومردوديتها الاقتصادية الضعيفة.

وما زاد الطين بلة في السنوات الأخيرة، هو استفحال ظاهرة هجمات دلافين “النيكرو” (الدلفين الكبير) التي أصبحت كابوساً حقيقياً لمهنيي البوغاز؛ حيث تعمد هذه الحيتان إلى تمزيق الشباك القانونية العادية لالتهام الأسماك، في حين كانت الشباك المنجرفة القديمة بقوتها وسمك خيوطها توفر حماية ذاتية للمحصول ومقاومة أكبر لهجمات الدلافين. ويشتكي البحارة الصغار من أن التعويضات المالية التي مُنحت سابقاً ذهبت لأرباب المراكب الكبيرة، تاركة “الشغيلة الشاطئية” في مواجهة مباشرة مع الفقر والبطالة المقنعة.

بين شبح العقوبات الدولية وضغوط السلم الاجتماعي

يضع هذا الملف الساخن الإدارة الوصية أمام معادلة شديدة التعقيد:

  • على الصعيد الدولي: إن استمرار رصد هذه التجاوزات من طرف المنظمات غير الحكومية يهدد بفرض عقوبات أو تقليص الحصص (Quotas) الممنوحة للمغرب من طرف اللجنة الدولية للحفاظ على تونات الأطلسي (ICCAT)، وهو ما قد يضر بصادرات المملكة من الأسماك نحو الأسواق الأوروبية والأمريكية الواعدة.

  • على الصعيد الداخلي: تشديد الخناق والمقاربة الزجرية الصرفة دون تقديم بدائل اقتصادية حقيقية قد يؤدي إلى احتقان اجتماعي في أوساط آلاف العائلات التي تعيش على عائدات رحلات صيد سمك “أبو سيف”.

آفاق الحل: مقاربة تشاركية تجمع بين الردع والدعم

أمام هذا الاستعصاء، يرى خبراء اقتصاد الصيد البحري أن الخروج من هذه الحلقة المفرغة يتطلب تجاوز لغة “التقارير والاتهامات المتبادلة” نحو حلول عملية مستدامة، تتركز على ثلاثة محاور أساسية:

  1. الابتكار العلمي: حث “المعهد الوطني للبحث في الصيد البحري” (INRH) على تسريع ابتكار وتوفير شباك بديلة متطورة تكون مقاومة لهجمات “النيكرو” وصديقة للبيئة في آن واحد.

  2. عصرنة الرقابة: تعميم أجهزة التتبع والتعريف المبسطة (AIS) على قوارب الصيد التقليدي لقطع الطريق على الصيد العشوائي وغير القانوني (IUU).

  3. الحماية الاجتماعية: تفعيل حزمة دعم مالي واجتماعي حقيقي للبحارة الصغار خلال فترات “الراحة البيولوجية”، مع تشجيع مشاريع تربية الأحياء المائية كبدائل اقتصادية تضمن كرامة البحار واستدامة الثروة السمكية في حوض المتوسط.


شاهد أيضا
تعليقات
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.