خمس أولويات في مشروع قانون مالية 2027: هل تتغير السياسات أم تتجدد الوعود؟

العرائش نيوز :

ذ:مروان بل

بين تآكل القدرة الشرائية، وأزمة تشغيل الشباب، وتراجع المشاركة الانتخابية، يدخل المغرب مرحلة حكومية جديدة محمّلة بانتظارات اجتماعية مرتفعة. والتحدي الحقيقي ليس في وجاهة الأولويات المعلنة، بل في قدرة الحكومة على تحويلها إلى نتائج ملموسة، من دون تحميل المواطنين كلفة الاختلالات المالية أو تأجيل الإصلاحات الضرورية مرة أخرى.
لم يكن مجلس الوزراء المنعقد يوم 17 أكتوبر 2026، برئاسة الملك محمد السادس، مجرد محطة لإعلان التوجهات العامة لمشروع قانون المالية لسنة 2027. فقد جاء بعد تعيين حكومة جديدة، وفي سياق اجتماعي واقتصادي يجعل من هذه الميزانية أول اختبار فعلي لمدى استعداد السلطة التنفيذية للانتقال من إدارة البرامج القائمة إلى معالجة الاختلالات التي ظلت تؤثر في الحياة اليومية للمغاربة.

وقد حدد المجلس خمسة محاور رئيسية: استعادة القدرة الشرائية وترسيخ الدولة الاجتماعية، وإدماج الشباب في التعليم والتكوين والتشغيل اللائق، وتسريع الجهوية المتقدمة والتنمية الترابية المندمجة، وتعزيز السيادة المائية والطاقية والغذائية والرقمية، ثم بناء اقتصاد قوي قادر على تمويل الطموحات الاجتماعية والاستراتيجية مع الحفاظ على التوازنات المالية والاقتصادية. كما أعلن تخصيص اعتمادات في حدود 25 مليار درهم لتسريع برامج التنمية الترابية المندمجة.

تبدو هذه الأولويات مترابطة ومنطقية من حيث أهدافها. لكن قيمتها السياسية والاقتصادية لن تتحدد بمدى جاذبية صياغتها، وإنما بما ستضيفه فعلياً إلى السياسات القائمة، وبقدرتها على معالجة أوجه القصور التي كشفت عنها السنوات الماضية.

استياء اجتماعي من الحكومة السابقة… ومؤشرات لا تسمح بالتبسيط
انتهت الولاية الحكومية السابقة في ظل استياء اجتماعي لدى قطاعات واسعة من الفئات الهشة والطبقة المتوسطة، بفعل ضغوط المعيشة، وصعوبة الولوج إلى فرص الشغل المستقرة، وتزايد القلق بشأن القدرة على تغطية النفقات الأساسية. ولا يعني ذلك أن جميع السياسات السابقة أخفقت أو أن المؤشرات الاقتصادية تدهورت في مجملها، بل إن التحسن المسجل في بعض المؤشرات الكلية لم ينعكس بالقدر الكافي على الظروف المعيشية للمواطنين.

وتقدم بيانات المندوبية السامية للتخطيط صورة أكثر دقة. فقد أحدث الاقتصاد المغربي 193 ألف منصب شغل سنة 2025، وانخفض معدل البطالة الإجمالي من 13.3 إلى 13 في المائة. غير أن بطالة الشباب بين 15 و24 سنة ارتفعت إلى 37.2 في المائة، كما ارتفع معدل الشغل الناقص(sous-emploi) من 10.1 إلى 10.9 في المائة. وفقد القطاع الفلاحي 41 ألف منصب خلال السنة نفسها.

تكشف هذه الأرقام عن مفارقة واضحة: فقد ينجح الاقتصاد في إحداث مناصب شغل وتحقيق تراجع محدود في معدل البطالة الإجمالي، بينما تظل أزمة إدماج الشباب وجودة فرص العمل قائمة. لذلك، لا يمكن تقييم سياسة التشغيل بالاستناد إلى العدد الإجمالي للمناصب المحدثة وحده، بل ينبغي النظر أيضاً إلى استقرارها، ومستوى الأجور، ونوعية العقود، ومدى مساهمتها في الحد من الشغل الناقص والبطالة طويلة الأمد.
أما على مستوى المعيشة، فتظهر نتائج بحث المندوبية السامية للتخطيط حول الظرفية لدى الأسر خلال الربع الثاني من سنة 2026 أن 76.3 في المائة من الأسر صرحت بتدهور مستوى معيشتها خلال الاثني عشر شهراً السابقة، بينما أفادت 38.7 في المائة بأنها تلجأ إلى الاستدانة أو السحب من مدخراتها لتغطية وضعها المالي. كما توقعت 61 في المائة من الأسر ارتفاع عدد العاطلين خلال الاثني عشر شهراً التالية. كما أن 95.9٪ يجدون أن أسعار المواد الغذائية قد ارتفعت خلال السنة الماضية.
تعكس هذه المؤشرات عمق الضغط الاجتماعي، وتجعل الاكتفاء بالحديث عن معدلات النمو أو استقرار التضخم أمراً غير كافٍ، ما لم يُطرح السؤال عن أثرهما الفعلي في مداخيل الأسر وقدرتها على الاستهلاك.

القدرة الشرائية: إصلاح الأسواق هو الاختبار الأصعب
تتمثل أهمية إدراج إصلاح هيكلي للأسواق والأسعار ضمن أولويات 2027 في أنه يقر، ضمنياً، بأن دعم القدرة الشرائية لا يمكن أن يعتمد إلى أجل غير مسمى على التحويلات الاجتماعية أو التدخلات الظرفية التي اعتمدتها الحكومة السابقة عبر مجموعة من برامج الدعم التي لم تنتج فعليا أثرا محسوبا أو ظاهرا غير استنزاف الموارد المالية للدولة واستنزاف جيوب المواطنين. فقد استفاد المستوردون من الامتيازات المالية، لكن استفادة المواطن من انخفاض الأسعار لم تتحقق بالقدر المأمول.
ومن ثم، فإن الإصلاح المنتظر مطالب بالإجابة عن أسئلة عملية تتجاوز إعلان النوايا: كيف ستُراقب المنافسة داخل الأسواق؟ وما التدابير الكفيلة بالحد من الممارسات المنافية لها؟ وكيف يمكن إعادة تنظيم أسواق الجملة وقنوات توزيع المواد الغذائية، وتقليص تكاليف النقل وتعدد الوسطاء؟ والأهم، ما الآليات التي ستتيح قياس أثر هذه الإصلاحات والتحقق من انعكاسها الفعلي على الأسعار التي يؤديها المستهلك؟

تشغيل الشباب: إنهاء تشتت البرامج لا يعني حل الأزمة
تشكل الدعوة إلى إطلاق برنامج وطني مندمج للشباب للفترة 2027-2031 إحدى أبرز نقاط التوجهات الجديدة. فالربط بين التعليم والتكوين والتمويل والتشغيل والسكن يعالج جانباً حقيقياً من المشكلة: لا يمكن فصل انتقال الشاب إلى العمل عن المسار الذي سبقه، ولا عن قدرته على الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي بعد الحصول على الوظيفة.
لكن الإقرار بمحدودية البرامج القطاعية المتفرقة يضع الحكومة أمام مسؤولية تقديم بديل يتجاوز مجرد جمع البرامج القائمة تحت مظلة جديدة. فالتحدي لا يرتبط بنقص التكوين أو التمويل وحدهما، بل أيضاً بضعف قدرة بعض الأنشطة الاقتصادية على خلق وظائف مستقرة ومنتجة، وبالفجوة بين التخصصات المعروضة وحاجات المقاولات، فضلاً عن الصعوبات التي تواجهها المقاولات الصغيرة والمتوسطة في الانتقال من النشاط المحدود إلى النمو والتوسع.
لذلك، يصبح ربط التمويل العمومي بمؤشرات قابلة للتحقق أمراً ضرورياً، من قبيل عدد الوظائف المستدامة التي أوجدتها البرامج، ونسبة الإدماج في القطاع المنظم، ومستوى الدخل بعد التوظيف، ومدى استفادة النساء والشباب من فرص العمل، فضلاً عن النتائج المحققة في الجهات الأقل استفادة من الاستثمار.
كما ينبغي عدم الخلط بين الوظائف المؤقتة التي تخلقها مشاريع البناء والبنيات التحتية، والوظائف المستقرة التي تضمن دخلاً منتظماً على المدى المتوسط والطويل. فالنوع الأول قد ينعش النشاط الاقتصادي خلال مرحلة إنجاز المشاريع، لكنه لا يكفي وحده لإرساء سوق شغل متوازنة وأكثر قدرة على توفير فرص مستدامة.
وإذا كانت الحكومة جادة في تجاوز تشتت البرامج، فعليها تحديد جهة واضحة تتولى قيادة البرنامج، وإرساء آليات فعالة للتنسيق بين القطاعات، واعتماد نظام موحد لتتبع النتائج. أما دون ذلك، فسيظل خطر إعادة إنتاج الصعوبات نفسها، تحت تسمية جديدة، قائماً.

التنمية الترابية: الاعتمادات ليست مرادفا للتنمية
إن الإعلان عن تعبئة 25 مليار درهم للتنمية الترابية المندمجة يضع الجهوية المتقدمة أمام اختبار يتجاوز حجم الاستثمار. فالمغرب لا يبدأ هذا الورش من الصفر؛ إذ سبق أن أطلق برامج للتقليص من الفوارق المجالية، والاستثمار في البنيات التحتية والخدمات الاجتماعية، وتوسيع اختصاصات الجهات.

ومع ذلك، ظلت الفوارق في جودة الخدمات وفرص الشغل والولوج إلى العلاج والتعليم حاضرة. وهذا يعني أن المشكلة لا ترتبط بالضرورة بحجم الموارد وحده، بل بكيفية اختيار المشاريع، وتحديد المسؤوليات، وتنسيق التدخلات، واحترام آجال الإنجاز، وربط التمويل بنتائج قابلة للقياس.
كما أن تطوير الجهوية المتقدمة لا يتحقق بمجرد نقل الاعتمادات، بل يتطلب وضوح الاختصاصات، وتعزيز القدرات الإدارية المحلية، وتنسيقاً فعالاً بين المصالح المركزية والجهوية، وآليات للمحاسبة عند التأخر أو ضعف الأداء. وتكتسي هذه الشروط أهمية أكبر في المناطق التي تراكمت فيها الاحتياجات الاجتماعية والاقتصادية، حيث لا يتعلق الأمر بإنجاز المشاريع فقط، بل بتدارك فوارق ظلت تؤثر في فرص السكان وجودة حياتهم.

السيادة الاستراتيجية: أين تنتهي المشاريع وتبدأ النتائج؟
يجمع محور السيادة المائية والطاقية والغذائية والرقمية أربعة تحديات متباينة، لكنها تلتقي عند سؤال جوهري: إلى أي حد يستطيع المغرب تقليص هشاشته أمام الجفاف وتقلبات الأسواق الخارجية والتبعية التكنولوجية؟ فالتحدي لم يعد يقتصر على إطلاق البرامج والمشاريع، بل يمتد إلى قدرتها على معالجة مصادر هذه الهشاشة، وإلى مدى توجيه الاستثمارات نحو المجالات التي تحقق أعلى مردودية اقتصادية واجتماعية.
ففي مجال الطاقة، تكشف أرقام وزارة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة أن نسبة التبعية الطاقية بلغت 87.9 في المائة سنة 2025، فيما وصلت الفاتورة الطاقية إلى 107.5 مليارات درهم. ما يعني أن التحول الطاقي ليس مجرد التزام بيئي؛ بل رهان على تقليص تعرض الاقتصاد لارتفاع أسعار المحروقات، وتخفيف الضغط على الميزان التجاري والتبعية الطاقية.
أما الأمن الغذائي، فلا يمكن اختزاله في حجم الإنتاج الفلاحي خلال موسم واحد. فقد أشار صندوق النقد الدولي إلى أن واردات المغرب من المنتجات الغذائية بلغت ما يعادل 5.5 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي سنة 2025، مقابل صادرات غذائية تعادل 4.8 في المائة منه. وتبرز هذه الأرقام مدى تعرض المغرب لتقلبات الأسعار الخارجية، خصوصاً بالنسبة إلى بعض المواد الأساسية. كما أن تحسن الموسم الفلاحي لا يلغي هشاشة نموذج إنتاجي يظل مرتبطاً بموارد مائية غير مضمونة. لذلك، ينبغي أن يربط تقييم السياسة الفلاحية بين الإنتاجية واستهلاك الماء، وقيمة الصادرات وكلفة الواردات، ومدى انعكاس الدعم العمومي على الأسعار في السوق المحلية. فارتفاع الصادرات، في حد ذاته، لا يكفي لإثبات تحسن الأمن الغذائي ما لم يقترن بتأمين حاجات السوق الداخلية.
أما السيادة الرقمية، فقد أصبحت بدورها قضية اقتصادية وأمنية، تتجاوز مجرد تحديث الإدارة ورقمنة الخدمات. فاستراتيجية «المغرب الرقمي 2030» وخارطة الطريق الخاصة بالذكاء الاصطناعي تفتحان آفاقاً لتطوير الخدمات الرقمية والمهارات والابتكار، غير أن الإعلان عن أهداف تتعلق بالقيمة المضافة أو إحداث الوظائف لا يعني بالضرورة تحققها. لذلك، يتعين على الحكومة توضيح ما ستنجزه فعلياً في مجال حماية البيانات الحساسة واستضافتها، وتطوير البنيات الوطنية للحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي، وتأهيل الكفاءات، وتوسيع استفادة المقاولات المغربية من هذه التكنولوجيا.
كما ينبغي ألا تتحول السيادة الرقمية إلى سباق في بناء مراكز البيانات من دون تقييم كلفة الطاقة والماء والتشغيل، أو تحديد القيمة المضافة المحلية التي ستنتج عنها. فالسيادة لا تعني رفض التكنولوجيا الأجنبية، بل امتلاك القدرة على اختيارها والتحكم في البيانات الاستراتيجية، وتقليص التبعية حيثما ترتفع كلفتها ومخاطرها.
في هذه المجالات الأربعة، ينبغي أن ترتبط الميزانية بمؤشرات واضحة وقابلة للقياس: خفض التبعية الطاقية والفاتورة المرتبطة بها، وتقليص ضياع المياه، وتحقيق توازن أفضل بين الإنتاج الغذائي والموارد المائية، وتطوير القدرات الرقمية الوطنية. فنجاح السيادة الاستراتيجية لا يُقاس بحجم المشاريع المعلنة، بل بمدى قدرتها على تقليص مصادر الهشاشة وتعزيز قدرة الاقتصاد والمواطن على مواجهة الصدمات الخارجية.

الاقتصاد القوي والتوازنات المالية: من سيمول الطموح الاجتماعي؟
تكمن المفارقة في أن الحكومة مطالبة بتوسيع الإنفاق على الصحة والتعليم والدعم الاجتماعي والاستثمار، في الوقت الذي تسعى فيه إلى خفض عجز الميزانية. فقد بلغ العجز 3.5 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي سنة 2025، بينما توقع صندوق النقد الدولي أن يتراجع إلى 3.4 في المائة سنة 2026 و3.3 في المائة سنة 2027. كما توقع انخفاض نسبة دين الحكومة المركزية من 67.1 في المائة من الناتج سنة 2025 إلى 64.8 في المائة سنة 2027. غير أن هذه التوقعات لا تعني زوال المخاطر المرتبطة بالمالية العامة؛ فهي تظل رهينة بتحقق فرضيات النمو والإيرادات وضبط النفقات.
لكن الإشكال لا يتعلق بحجم الدين وحده، بل أيضاً بمردودية الإنفاق العمومي. فقد بلغت الإيرادات الضريبية سنة 2025 ما يعادل 24.6 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي، متجاوزة التوقعات. ومع ذلك، وُجّه جزء من الموارد الإضافية إلى نفقات واستثمارات وتحويلات للمؤسسات العمومية. وهنا يبرز سؤال جوهري: لماذا لا ينعكس تحسن الإيرادات بصورة أوضح على جودة الخدمات العمومية، وخلق فرص الشغل، وتحسين القدرة الشرائية؟ فزيادة الإنفاق، من دون تقييم دقيق لنتائجه، قد ترفع حجم الموارد المرصودة من دون أن تعالج الاختلالات التي استدعت هذا الإنفاق في الأصل.
وعليه، فإن الاختبار الحقيقي لمشروع قانون المالية لسنة 2027 لا يقتصر على احترام هدف العجز المحدد في 3 في المائة، بل يمتد إلى توضيح كيفية تمويل الالتزامات الجديدة، وتحديد أولويات الإنفاق، وبيان النتائج المنتظرة من الموارد المرصودة.

وفي النهاية، يبقى الرهان الحقيقي هو تغيير طريقة تنفيذ السياسات العمومية، وتحويل الإنفاق العام إلى خدمات وفرص ونتائج ملموسة في حياة المواطنين. ومن دون تحول فعلي في أساليب التنفيذ، وربط واضح بين المسؤولية والمحاسبة، سيظل خطر تجدد الوعود وتأجيل نتائجها قائماً.
فالمغاربة، ولا سيما الفئات الهشة والطبقة المتوسطة، لا ينتظرون خطاباً جديداً بقدر ما ينتظرون تحسناً ملموساً في حياتهم اليومية. وسيكون عام 2027، من خلال الميزانية التي ستُعتمد وطريقة تنفيذها، الاختبار الحقيقي لقدرة الحكومة على تحويل هذه الانتظارات إلى التزامات واضحة ونتائج قابلة للتحقق.


شاهد أيضا
تعليقات
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.