نقاش لأفكار مستشار الملك

العرائش نيوز:

د. حسين مجدوبي

أدلى عباس الجيراري وهو من فريق مستشاري الملك محمد السادس بحوار مطول ومهام لجريدة «أخبار اليوم» التي أسسها توفيق بوعشرين، ورغم أهميته القصوى بسبب قضايا مستقبلية، لم يخلف نقاشا وسط الإعلام والحقل السياسي المغربي.
وقد يعود هذا إلى طبيعة هذه الشخصية الهادئة وذات النظرة العميقة للأوضاع، والمتميز بعدم التدخل في صنع الخرائط السياسية، بل بغزارة علمه وحنكته الأكاديمية، بينما سياسيون وإعلاميون يهتمون بنوع آخر من المستشارين وقضايا أخرى. والمفارقة هو انتقاده في الحوار لتركيز الإعلام على قضايا هامشية لا تهم كثيرا المواطن المغربي. وقد كان محقا، فلم تلق تصريحات هذا المستشار اهتماما إعلاميا مع بعض الاستثناءات القليلة كالعادة.
وكانت تصريحات الجيراري جريئة المضمون والطرح، مقارنة مع التحفظ الذي يطبع العاملين في الهيئة الاستشارية للملك، حيث لا يسمع أصوات البعض نهائيا، ولكن يتم الحديث كثيرا عن أفعال بعضهم. ويمكن قراءة مضمون المقابلة من زوايا مختلفة، وبالتالي استخلاص نتائج متنوعة بين من يرى في الحوار دفاعا عن المؤسسة الملكية، بحكم مركزيتها في الحياة العامة للبلاد، للرد على الانتقادات التي تتعرض لها من فاعلين سياسيين، وهناك من سيرى في الحوار رسالة موجهة الى جميع مكونات الأمة، للاستيقاظ من «الكسل الفكري التبريري» للانتقال نحو الإقلاع النهضوي بدل انتظار الملكية.
ونتوقف عند ما نعتقد، أنه أبرز الأفكار الواردة في حوار عباس الجيراري. وحول موضوع عام يشغل الرأي العام منذ أكثر من شهرين، وهو مقاطعة المواطنين لمجموعة من الشركات لمواجهة غلاء الأسعار، وكذلك التنديد بالجمع بين الثروة والسياسة، يرى هذا الأكاديمي في المقاطعة عملا حضاريا يعرب فيه الشعب المغربي عن استيائه من غلاء الأسعار وتدهور المعيشة.
وفي موضوع حاضر باستمرار، وهو دور المثقف في ظل التغيرات الحالية، يوجه عباس الجيراري سهام النقد الشديد إلى المثقف المغربي، متهما إياه بالانزواء هربا من تحمل المسؤولية أو الاقتراب من السلطة إلى مستوى التملق، وبالتالي يغيب الاجتهاد في البحث عن حلول لمشاكل البلاد، مستشهدا في هذا الصدد باعتراف الملك بعدم ملائمة النموذج التنموي الحالي لحاجيات البلاد، وضرورة التفكير في نموذج جديد، ولم يخلف هذا الاعتراف، وفق المستشار، النقاش العلمي والسياسي المطلوب للبحث عن نموذج تنموي بديل يرتقي بالمغرب.
وحول إرساء الديمقراطية، يؤكد تخلي الملك محمد السادس عن الكثير من الصلاحيات في دستور 2011 لصالح المسؤولين الحكوميين والأحزاب، للمبادرة واتخاذ القرار، لكن لا يوجد مسؤولون أكفاء لتحقيق ديمقراطية حقة.
ولا يمكن الاختلاف مع مستشار الملك حول النقطة الأولى وهي اعتبار المقاطعة أسلوبا حضاريا للتعبير عن الرفض لغلاء المعيشة. وعمليا، رفع المغاربة هذا الشعار وترجموه إلى واقع معاش، حيث يمكن أن يتطور مستقبلا إلى فعل منظم لمواجهة تحرش الأسعار بالمواطنين، في ظل تجميد الدولة نفسها لهيئة المنافسة التي يفترض قيامها بالسهر على الحد من تلاعب الأسعار، خاصة تلك التي تمس المواطن مباشرة مثل المواد الغذائية والوقود. وهناك يجب طرح سؤال: لماذا لم تكلف الدولة نفسها تشغيل مجلس المنافسة؟
وفي النقطة الثانية، يوجد إجماع وسط المغاربة بتدهور الأحزاب السياسية رفقة باقي المؤسسات، لكن نسبة من المحللين، بل حتى السياسيين يوجهون أصابع الاتهام الى الدولة المغربية بالتدخل في شؤون الهيئات السياسية.
ومن باب المقارنة مع العهد السابق، أي مرحلة الملك الحسن الثاني، وما يصطلح عليه بالعهد الجديد، فترة حكم الملك محمد السادس، كان الأول (الحسن الثاني) ومستشاروه يحرصون على صلابة الأحزاب السياسية الكلاسيكية، مثل حزبي الاستقلال والاتحاد الاشتراكي، رغم الاعتقالات والمحاكمات، وذلك إيمانا منهم بأن الأمن القومي للبلاد متنوع ويقوم في جزء منه، علاوة على العسكري والاقتصادي، على ضرورة صلابة المشهد السياسي لتأطير المواطنين. ماذا يجري الآن: تدخل مطلق في الشؤون الداخلية للأحزاب السياسية، التي تتولى تسييرها في الغالب شخصيات بدون ثقل ولا تاريخ سياسي، بل هي أقرب إلى موظفين سامين. وإذا كان المواطن في الماضي يناضل من أجل المشاركة في الانتخابات، فالعزوف عن صناديق الاقتراع في الوقت الراهن هو السمة الرئيسية للانتخابات في المغرب، سواء البلدية أو البرلمانية، كما أنه من نتائج هذا التدخل ثقة المواطن في هيئات تنشط خارج مؤسسات البرلمان والبلديات.
وينتقد المستشار الملكي غياب المثقف المغربي عن التفاعل مع تطورات البلاد. لقد تطرق بكلامه إلى قضية شائكة يشهدها المغرب، حيث يغيب المثقف عن أغلب المحطات السياسية، سواء الكبرى أو الصغرى، جزء انزوى وجزء انخرط في سيمفونية السلطة، وجزء بسيط تم إجباره على العيش على الهامش. وفي فترات الانتقال، يكون للمثقف دور بارز بتحوله إلى قوة اقتراحية في مختلف المجالات بحكم ثقل المعرفة في توجيه المجتمع نحو نماذج معينة للتطور. ويركز المستشار على غياب مقترحات بديلة للتنمية، رغم اعتراف الملك بفشل النموذج التنموي.
كلام المستشار صحيح لكن ليس بالكامل، فقد عملت السلطة على تقزيم دور المثقف، وجعله بوقا يميل مع كل خطاب ملكي، ونستحضر هنا كيف انبرت جوقة كاملة ممن يسمون بالخبراء للتصفيق لخطاب الملك بقوله استعداد المغرب أن يصبح دولة صاعدة، وفي ظرف سنتين يعترف بفشل النموذج التنموي، ونستحضر كيف انبرت جوقة من السياسيين والإعلاميين إلى التشكيك في كل من وضع خطاب الملك موضع شك، اعتمادا على معطيات علمية وواقعية. نعم لم يعد للمثقف المغربي دور رئيسي في الحياة، بسبب تهميش السلطة للأصوات الجريئة علميا قبل جرأتها السياسية. ويمكن للمستشار الملكي إجراء تمرين بسيط وهو تعداد كم مرة ظهر في وسائل الإعلام العمومية خبراء السلطة للترويج للنموذج التنموي الفاشل، مقابل الغياب المطلق للخبراء الذين يتبنون المنهج العلمي في رؤية الواقع، وليس منهجية التملق للسلطة، سيجد التخمة للأوائل والغياب المطلق للصنف الثاني.
في غضون ذلك، يعتبر الحوار الذي أجرته جريدة «أخبار اليوم» التي يعاني مؤسسها توفيق بوعشرين من غياب محاكمة عادلة مع المستشار الملكي من أهم الحوارات التي عرفتها الصحافة المغربية خلال السنوات الأخيرة، نظرا لجرأة المضمون، لكنه لم يجد الصدى المطلوب بحكم انغماس الإعلام في الاهتمام بقضايا هامشية، بل أحيانا تافهة


شاهد أيضا
تعليقات
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.