العرائش نيوز
عصيد بالعرائش: “حزب الإستقلال سعى للإستيلاء على الدولة، وكلام الأمير هشام عن الأمازيغية غير مسؤول”
في خضم رياح التغيير التي عصفت بكل التوقعات، ومعها استحضار مآزق السؤال في إشكال الهوية، وفي سياقها البحث عن الأجوبة في اتجاه الإنحياز لقيم الديمقراطية في أبعادها الخصوصية، كان المهتمون بمنحى التحديث في المغرب مساء يوم السبت 15 دجنبر 2012 بدار الثقافة بالعرائش، على موعد مع الكاتب والأكاديمي المغربي أحمد عصيد لمناقشة موضوع التعدد اللغوي والمسألة الثقافية بالمغرب. هكذا اعتبر عصيد خلال اللقاء أن “الموضوع يشكل منطلقا لكل شغب فكري، خاصة عندما تصبح الأجوبة المعلنة عاجزة عن تقديم التفسير الضروري عما يجري”، مضيفا أن “السؤال الفكري والسياسي والمدني، يصبح ملحا من أجل تحفيز الفكر على المضي في اتجاه البحث عن البدائل”. واستطرد بالقول أن “السؤال أمر ضروري بالنسبة لمجتمعات أنهكها الإستبداد والتخلف على مدى عقود وقرون طويلة”. بالطبع يضيف عصيد أن “الإتجاه العام في العديد من بلدان شمال إفريقيا والشرق الأوسط، هو اتجاه للحفاظ عما هو موجود، باعتباره الجواب الخالد الذي يمكن أن يصلح لأي زمان ومكان، وهذا شيء مستحيل، لا يوجد في موضوع الإنسان، وفي قضايا المجتمعات البشرية، أجوبة جاهزة وخالدة”، لأن كل الأجوبة حسب عصيد “هي أجوبة نسبية ترتبط بسياقات محددة، وترتبط بحاجات يعلنها المجتمع، يعبر عنها في وقت محدد ثم تنقلب الأمور وتقع التحولات داخل المجتمع، ويحتاج العقل إلى إعادة التفكير في البديهيات، وإعادة النظر في الأمور المعلنة، كأجوبة مرحلية من أجل إيجاد أجوبة جديدة”. واستطرد قائلا “إشكالية الهوية أرقت العقل المغربي منذ الإستقلال”، متسائلا بقوله “لماذا استقل المغرب في عام 1956، وعوض أن يجد نفسه مطمئنا إلى واقعه وإلى ذاته، وينصرف إلى بناء المغرب البديل بعد المرحلة الكولونيالية، وجد نفسه في قلق هوياتي une malaise identitaire”، هذا القلق يتابع عصيد “يعود في الواقع إلى سبب رئيسي، وإلى أسباب ثانوية”، فالسبب الرئيسي لأزمة الهوية التي عرفها المغرب بعد الإستقلال يكشف المتحدث يعود إلى “أن المغاربة تبنوا نموذجا للدولة، هو النموذج الفرنسي اليعقوبي للدولة الوطنية المركزية”، ولكنه نموذج بلا شك يشرح عصيد “يصلح لفرنسا ولكنه لا ينطبق بأي حال من الأحوال على المغرب أو الجزائر أو تونس أو موريطانيا، أي الدول التي تبنت النموذج الفرنسي لأن فرنسا استعمرت هذه البلدان، اختارت الإختيار الخطأ فيما يتعلق بنموذج الدولة الوطنية المركزية”، ويضف عصيد بالقول أن “النموذج اليعقوبي الفرنسي يتميز بأنه نموذج قائم على ما يسمى التأحيد l’uniformisation بمعنى جعل عناصر التنوع، تنصهر في العنصر الواحد بتذويبها، وأن تقوم الدولة على لغة وهوية وثقافة واحدة”. هذه الوضعية يوضح عصيد “لم تكن ملائمة للمغرب على الإطلاق، لأنها لا علاقة لها بالسياق المغربي ولا بتاريخه وطبيعته”، فنحن يكشف عصيد “تبنينا بعد الإستقلال نموذج الدولة المستعمرة آنذاك، والتي تقوم على التأحيد، وخلق التجانس المطلق من أجل جعل الناس تنصهر في قالب واحد نمطي، وهذا التنميط خلق الكثير من المشاكل للمغاربة، مثل أن نشتري ثوبا لجسم لا يناسبه على الإطلاق”. أما السبب الثاني فكان حسب عصيد “هو تلك الإيديولوجية السياسية التي ظهرت في المشرق، وانتقلت إلى المغرب في غشت 1930 مع الأمير شكيب أرسلان الذي قام بزيارة للحركة الوطنية بالمغرب، واجتمع مع عبد السلام بنونة زعيم هذه الحركة في الشمال، ومجموعة من الوطنيين الآخرين أمثال عبد الخالق الطريس”، وكان الهدف من هذا الإجتماع يوضح عصيد هو “حث الوطنيين المغاربة على أن يتبنوا خطاب القومية العربية من أجل الإنخراط في الحركة الوطنية، والسعي نحو المطالبة بالإستقلال بعد ذلك”، متسائلا بقوله “ما هو المشكل في هذه الإيديولوجيا؟”.
المشكل حسب عصيد أن “الإيديولوجيا القومية العربية هي إيديولجيا ظهرت في سياق الصراع بين القومية التركية التي عبرت عنها الإمراطورية العثمانية قبل سنة 1924، والقومية العربية الناشئة التي ظهرت بسبب مشكل التتريك الذي حاول من خلاله العثمانيون فرض لغتهم التركية على البلدان التي احتلوها، فخلقت إيديولوجيا مقاومة هي القومية العربية”. ويضيف عصيد أن “القومية العربية كانت إيديولوجيا شرعية من أجل إثبات الذات، لأن لكل شعب من الشعوب الحق في أن يدافع عن هويته وخصوصيته تجاه أي احتلال أو حركة تذويب”، وبالفعل يتابع عصيد “انهارت الإمبراطورية العثمانية في 1924، وجاءت تركيا الحديثة العلمانية التي بناها مصطفى كمال أتاتورك”. أما في المغرب فقد كشفت مرحلة ما بعد الإستقال حسب عصيد “عن تناقضات خطيرة بسبب سعي حزب الإستقلال للإستيلاء على الدولة، بإحداث قوة إدارية أو لوبي إداري قوي يخضع له”، مضيفا أن “هذا الأمر تحقق له ما بين سنوات 1961 و1965، لأنه عندما رفض الإتحاد الوطني للقوات الشعبية الدستور الممنوح عام 1962 ودعا إلى مقاطعة الإستفتاء، تقدم حزب الإستقلال ودعم الإستفتاء وقال نعم للدستور”، ونتيجة ذلك يوضح عصيد أن “الملك الراحل الحسن الثاني قدم هدية للحزب، وهو الإستيلاء على الدولة، فقام ما بين سنوات 1961 و1963 بطرد جيوش من الموظفين في الدولة، حيث قام بلافريج بطرد 96 موظفا من وزارة الخارجية بتهمة الإضراب ساعة واحدة من الزمن”. ويكشف عصيد أنه “بعد سنوات قليلة سيصبح للحزب نفوذا إداريا ولوبيا قويا في المغرب كله”، الأمر الذي يكشف حسب عصيد أن “الهدف بالنسبة للطبقة السياسية في المغرب وللوطنيين الذين كانوا في حزب الإستقلال، كان هو الإستيلاء على الدولة، ولم يكن هو حل المشاكل التي ارتبطت بالإرث الكولونيالي، بقدر ما انخرطوا في البحث عن مراكز النفوذ والثروة”، ويضيف عصيد أن “المعارضة اليسارية انشغلت بمعارضة ما يسمى في ذلك الوقت بالحكم الفردي، أي حكم الملك كفرد مرفوض، ودخلوا في صراع وجود ضد السلطة سنوات طويلة، كان من نتيجتها اعتقالات عديدة وصلت إلى 7000 معتقل سنة 1963 وحدها وأشكال رهيبة من التعذيب”. هذه الأمور الرهيبة يتابع عصيد “زعزعت الذاتية الوطنية للمغاربة، وعوض بناء الذات بشكل سليم، أخلفوا الموعد مع التاريخ منذ البداية، لأن الدساتير الديمقراطية لا تبنى بمنطق القوة أو الأغلبية والأقلية، بل تبنى باحترام مكونات الأمة جميعها”، وأضاف عصيد أن “تزوير السلطة لدستور 1962 زاد من حدة الصراع في المغرب واستمراره لعقود طويلة عمرت نصف قرن، وكان صراع وجود بين السلطة والمعارضة”، والسبب يؤكد عصيد “أننا لم نضع اللبنة الأساس من البداية بالشكل المطلوب الذي يجعل المغاربة جميعهم يشعرون بالإنتماء إلى الدولة، وبأن لهم مكانا فيها يجمعهم جميعا”.
والسبب يضيف عصيد هو أن “الدستور كان فوقيا لخطاب الحركة الوطنية في حديثه عن العروبة والإسلام، في مقابل اعتباره الأمازيغية مجرد مؤامرة استعمارية، رغم أن 85% من المغاربة كانوا ناطقين بها في ذلك الوقت”، وهذا معناه حسب عصيد أن “الدستور أنكر لغة الأغلبية وهويتها”، وزاد بالقول “أن ركيزتا العروبة والسلام لا يمكنهما بناء الوطنية الحقة، لأن الوطنية الحقة تبنى من أسفل إلى أعلى، أي من جميع مكونات الشعب”، وأضاف “العروبة والإسلام لهما مكانتهما، لكن لا يمكن لهما اختزال هوية المغاربة التي لا تتحقق دون الإعتراف بأمازيغية المغرب ويهوديته وإفريقيته وتواجده في حوض البحر الأبيض المتوسط وبعده الأندلسي، وإذا لم يتم اعتبار هذه المكونات فإن ثمة حيف ما ناتج عن القلق الهوياتي”. قبل أن يضيف أن “الديموقراطية لا يمكن أن تسمى على تاريخ زائف، خصوصا مع الخطاب الإسلامي الذي يختزل الهوية في الدين، كما فعل عبد السلام ياسين سنة 1996 عندما هدد بفصل المغاربة إلى أمتين إذا ما تم ترسيم الأمازيغية معتبرا إياها ضربا للعربية ومعها الجمعيات الأمازيغية التي اعتبرها ممولة من الخارج تضم عملاء وجواسيس”، وفي مقابل ذلك “إشادته بدستور 2011، الذي أدرج التصور الذي دافعت عنه هذه الجمعيات بعدما كانت عرضة للتخوين، بما يعنيه ذلك من انهزام الخطابات الأخرى التي كانت تريد إثبات الذات على حساب الغير”. وفي رده على الأمير هشام الذي قال في إحدى التصريحات بوجود سكان آخرين قبل الأمازيغ بالمغرب، اعتبر عصيد أن “كلام الأمير هشام غير مسؤول وليس له أي أساس علمي، ولا ندري من جاء به”، مضيفا أن “الأمير تأثر لأننا وجهنا له نقدا شديد اللهجة عندما أصدر تصريحا غير مسؤول لم يحترم فيه التقدم الذي حققته الأمازيغية في دستور 2011، واعتبرها مفروضة بإرادة عليا من الملك محمد السادس”، وهذا يضيف عصيد “عمل خطير لأن فيه استخفافا بعقولنا، لأن الأمير هشام لا يعترف بوجودنا، ونحن كذلك لا نتعرف بوجوده، يصدر تصريحات من الخارج ولا يعي السياق الوطني، ويمس بأطراف مختلفة، وإذا كانت له حسابات مع القصر فليقم بتصفيتها مباشرة، ولكن ليس على حسابنا”، وزاد قائلا “الجملة التي قال الأمير هشام بأنه كان هناك سكان قبل الأمازيغ كلام ليس علميا، ونريد منه أن يبرز الوثيقة التي أتى فيها هذا الكلام، نحن انتقدناه انتقادا شديدا لأنه لا يحق له أن يغالط المغاربة، لأن 90% من المذكرات التي سلمت للجنة المانوني تطالب بتطبيق الأمازيغية في الدستور، فهو لم يحترم النقابات ولا 17 حزبا سياسيا، ولا الحركة النسائية، والمنظمات الحقوقية سواء المنظمة المغربية لحقوق الإنسان أو الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، والنهج الديموقراطي كأول حزب ينادي بترسيم الأمازيغية”، كل هؤلا يخلص عصيد “ضربهم الأمير هشام عرض الحائط، وقال بأن الأمازيغية فرضت من أعلى كما لو كانت ديكتاتورية، وبأن الأمازيغ ليسوا سكانا أصليين مع أن إبن خلدون سبق أن أكد بأنهم موجودون في هذه الربوع منذ القدم”.
