العرائش نيوز
بحث في ” أمجـــاد ” الأندلس
عبدالمالك حوزي
ونحن صغار كان المعلم يسرد علينا حكايا متنوعة وكان يتوقف كثيرا عند المعارك و الغزوات و الفتوحات الإسلامية ، يتحدث عنها بمشاعر جياشة وكأنه عايش الأحداث والوقائع التاريخية بتفاصيلها الدقيقة . كنا في الفصل مشدوهين ننصت بإمعان شديــــد، وكأننا نتابع قِصَصًا من أفلام الإثارة والتشويق ، وفي انضباط شديد كان صوت المعلم بقسمنا رنيـنا لصمتنا ..
لا زلت أتذكره وهو يمرر مسطرة خشبية من يد إلى أخرى كلما انتهى من سرد مشهد ما. كان مفتونا بشخصية الإمام” علي بن أبي طالب ” الخليفة الرابع الذي قضى مقتولا ولم تمضي بعد الخمس سنوات على توليه الخلافة. يحكي لنا عن غزواته ودوره في المعارك بصوت غليظ وقوي . و يكرر وصيته الينا : حينما تسمعون ” علي بن أبي طالب ” رددوا جماعة كرم الله وجهه.
كنت أجلس في الصفوف الأمامية بجسمي النحيف وكان الخوف يتملكني كلما التقت عيني بعين المعلم الذي يصرخ في وجهي : أتعرف يا هـــذا من هو الإمام علي؟؟ انه بطل الأبطال ومرعب الفرسان هو الشجاع المقدام الذي مكنه الله من طاقة بدنية عالية ، كان يعتصر خصومه في المبارزات اعتصارا ويقضي عليهم جميعا . شارك في غزوات الخندق وخيبر و بدر وحنين و صفين … ضد الكفار الملاعين ..
يضرب معلمي على طاولتي ثانية ويتساءل بتحسر : أتعرفون لماذا خسر المسلمون في غزوة ” مؤتــــه ” ؟؟ فيجيب لوحده : لان الإمام علي كرم الله وجهه لم يشارك في المعركة ، ثم يضرب بكفيه على الطاولة ويقول : كان عليه أن يشارك .
وفي الوقت الذي كان فيه معلمنا يحكي ، كنا نحن الأطفال ننسج صورا في مخيالنا لتلك الشخصيات وبطولاتها .. لكن بقريتنا الصغيرة المهمشة سبق أن رسخت في أذهاننا معالم أخرى لشخص معروف لدينا كنا نضن أن ليس هناك في الدنيا من يضاهيه قوة انـــه ” أحمد ولد البتول ” الذي كان شابا مفتول العضلات يضع وشما على جسده لِقـَلْبٍ مشرد يخترقه سهم ورسومات بارزة لأسنانٍ وجمجمة…. كانت توحي لنا بخطورة الاقتراب منه …
وذات لحظة و المعلم منغمسا في حكيه التفت إلـيَّ صديقي متمتما : وهل بإمكان “علي بن أبي طالب ” الذي سحق كل هذه المخلوقات أن ينتصر على ” أحمد ولد البتول ” ؟؟
وبكل عفوية أجيبه متلكئا : لا…لا بالتأكيد لا ف” ولد البتول ” اشد و أقـــــوى ..
و على هامش احتفال القشتاليين و الكتالونيين بنشوة الانتصـــار بالذكرى الـ 521 لسقوط الأندلـــس ومطالبة البعض بإلغاء هذه الاحتفالات ـ خصوص من المسلمين ــ . لما تحمله برأيهم من دلالات وأحزان وصور مؤلمة عن الإبادة الجماعية التي تعرض لها المسلمون في شبه الجزيرة الأيبيرية على يد رجال الدين المسيحيين .
دفعني الفضول لأفتح كتابيْ التربية الإسلامية والتاريخ لابنتي الصغيرة في الصف السادس قبل أن اسألها عن الأندلس والغزوات والفتوحات الإسلامية والكر والفر الذي كان ما بين “دار الإســـــلام” و “دار الكفـــــر“.
فردت علي بجملتين :” خاض المسلمون سلسلة من الغزوات لرد العدوان ولأنهم كانوا مستهدفين من طرف الصليبيين..”
هي لم تقرأ حكايات سيف “علي بن ابي طالب” المسمى ذو الفقـــــار، ولم تتعرف قبلــه على شجاعة عنترة بن شداد وما جلب عليه حبه لعبلة ، ولم تسمع بحرب البسوس ولا داحس والغبراء ، لكنها بررت الغزو بالدفاع عن النفس ورد العدوان .
ولأنني غير متتبع للشأن التربوي . لا اعرف هل تغيرت المناهج التعليمية ؟ أم أعيدت صياغة التاريخ بما يتناغم مع معطيات العصر؟.
أم فقط معلمنا كان يجتهد أكثر في تفسير القصص التاريخية ،وفصل لنا خبايا وصول الإسلام إلى اسبانيا عبر الغزو و الفتح المبين تفصيــــلا .
“ولد البتول” اليوم أصبح من الجالية المغربية المقيمة باسبانيا هو عاطل عن العمل بعد الأزمة الاقتصادية التي تضرب الرأسمال .. أما عن وصوله إلى الأندلس فهي حكاية أخرى .ف”ولد البتول” كان مغامرا كما عرفناه الشيء الذي جعل منه لقمة سائغة بيد احد “الحَرَّاكـَة ” الذي سبق أن جمع أعدادا وافرة من معطلي الشواهد ومعطلي السواعد وقبل أن يُصدِّرَهم عبر قوارب الموت الى اسبانيا ،
خطب فيهم خطبة طارق بن زياد على هواه :
” أيها المعطلون ، أين المفر؟ البحر والخير أمامكم والعدو في بلادكم ، واعلموا أنكم في هذه البلاد أضيع من الأيتام علي مائدة اللئام، وقد استقبل القمع النظامي تحركاتكم بالركل والرفس والاعتقال …. وأنتم لا وزر لكم إلا ركوب قوارب الموت ، ومن لا يستلذ ركوب الخطر .. يعش أبد الدهر بين الحفر…”
فركبوا تلك القوارب ومات غرقا من مات ولم ينجو إلاَّ من رحم ربك ومنهم ولد البتول الذي لم تكتب له النجاة لكونه قوي ولكن حظه شاء . هو الآن يبحث عن رمق العيش ونحن معه نبحث عن مجد في الأندلس. ونتساءل هل كان تواجدنا فيها دفاعا عن الذات أم كان احتــــلالا .؟؟ والسؤال نفسه حمله ” غوار / دريد لحام ” في مسرحية “كاسك يا وطن /لمحمد الماغوط” إلى زوجته “زهراء” حين قال : انهزم العرب في الأندلس لكون ” الاستعمار عمل فيهن فرّق تسد في إسبانيا “. موقف أشعل فينا حماسا شديدا وصفقنا له بحرارة. لكن ” غوار الطوشي ” مباشرة نكــد علينا حماسنا حين خاطب ” زهراء ” “ولا لأ إسمعي لقلك أظن بإسبانيا نحنا كنا الاستعمار لأن نحنا كنا محتلين لإسبانيا “.وهنا بكينا مع بكاء الكمنجات على الأندلـــس
