الفنّانُُ التّشكيليُّ النّاشئُ حمزة القهواجي جاذبيّةُ الصّدق المُؤدّي إلى اللُّغز…


العرائش نيوز:


الفنّانُ التّشكيليُّ النّاشئُ حمزة القهواجيّ جاذبيّةُُ الصّدق المُؤدّي إلى اللّغز…

 بقلم: منير أولاد الجيلالي

يرى حمزة القهواجي بأن الفن عموما، هو تعبير جمالي عميق عن هواجس وأحلام شخصية، لكنه بالإضافة إلى ذلك يجب أن يكون بالضرورة وبشكل ما تعبيرا عن قضايا إنسانية  كبيرة وعظيمة. حمزة الذي اعتبر الفن التشكيلي طريقا مختلفا للتعبير عما يحدث داخل الذات الإنسانية والعالم، وجد نفسه يختار العيش بعيدا عن كنف العائلة، وحيدا بين أصباغة ولوحاته ووجوهه التي تتجاذبها مرجعيات نفسية وثقافية مختلفة. وجوه يتقاطع فيها التاريخي والتراثي والفنطازي والرمزي والواقعي داخل كينونة لا تكتمل إلا بالتحدي وروح البحث التي تحرك إصراره نحو اقتحام الألغاز الفنية الصادمة والمستحيلة.


في بيته الواسع، حيث يتعايش حمزة داخل مرسمه الفوضوي مع الموسيقى وفناجين القهوة وبقايا قنينات أصباغ.. وأوراق، تجاذبنا أطراف الحديث عن الفن والتشكيل والمرأة والأحلام والحب والحرب وأشياء أخرى. كان حمزة طفلا هادئا وكتوما، مأخوذا بسحر الحديث وانفلاتات اللحظة. كان يضيء بأسئلته الجريئة والمباغتة صمت المكان، ويجعل من زيارتي العابرة، لحظة فنية بكل المقاييس. لم أنسى مفاجأتي حين سألني وهو الذي لم يتجاوز بعد سن العشرين، هل بإمكان التشكيلي أن ينقل عمق الألم الإنساني أكثر من أي مادة فنية أخرى مكتوبة أو مرئية ؟ مضيفا بأن لا شيء يستطيع أن يمنح للأشياء جاذبية وقوة أكثر من صدق اليد التي تختبئ وراء عمل فني ما.


كانت الشمس تذوب فوق صفيح حي “المحصحاص” عند المغيب. لم نكن قد انتهينا بعد أنا وحمزة من نقاشنا الفني والحميمي المتبادل. بين الفينة والأخرى كان يطلب مني أن أقدم انطباعي حول لوحة من اللوحات المسنودة على الحائط، طالبا مني أن أخذ صورا إذا رغبت في ذلك. كانت رسوماته معبرة وقاسية، بسيطة وصادمة، موحية ومنفلتة، وكأنها تتدفق من تناقضات أقدار مسكونة بحنين مدمر وغامض إلى أعياد طفولة بعيدة. لازلت أتذكر وجه طفلة سوداء يطل ضوء الصباغة من عينيها وخديها، كما لا زلت مسكونا بصورة الفارس الذي يمتطي جوادا من برق ويدخل نزوة الظلال، صورة الجد بكامل كبريائها ومجدها التاريخي المتوهج في الفقد والغياب، ضحكة الراقصة الشعبية الممتدة وسط أعراس لا مرئية للعشق والكفاح والحصاد، سحر الجوكندا بابتسامة مغربية دافئة، وحرب الألوان وبراءتها في سيرورات تجريدية قاسية ورائعة. الألوان تعوض الكلمات، والحركات والظلال والأضواء تبتهج داخل أبعاد غير منطوقة في انسجام حالم ونسوكي . إنه عالم متفرد بتآويلاته ونظرته الخاصة للإنسان والتاريخ والطبيعة. عالم يجعل من البعد الإنساني والأنثوي بالخصوص مركزا لتلاقح أفكار مقذوفة داخل أسئلة ملتبسة وطويلة، وعدسة مفتوحة لرصد الهموم والأحلام الذاتية والوجودية في أشكال تعبيرية تلقائية مشحونة بالعناد والإغتراب الوجدانيين.

 

لعله الصدق، روعة الصدق الفني بلا شك، هي ما تجعل من اللون ذاكرة، و تحول الصورة التشكيلية إلى طرقات سفر في أعماق ظامئة ومجهولة. إن العمل الفني كيفما كان، يجب أن يحمل في دواخله اللانهائية القيمة الإنسانية والفنية التي تدل عليه وتميزه. واعتقد أن ما يميز تجربة حمزة القهواجي هو أصالتها ونقاؤها وصدقها المتفجر. صدق قد لا تكون اللوحات الكثيرة التي يحتفظ بها داخل قلبه وبيته هي من تصنع قوته ، لكنه بكل تأكيد يظل هو رابطها العضوي وسر قوتها من حيث كونها تعبيرات فنية لا يمكن أن تمتلك قيمة مميزة بدون إحساس صادق وحقيقي. لأن العمل الفني كيفما كانت طبيعته يبقى مجرد استعراضات تعويضية إذا لم تحركه أحاسيس حقيقية وصادقة كما يقول حمزة.

حين أخذت ما يكفي من الصور، كنت أحس بأن حمزة الذي ليس لديه الكثير من الأصدقاء، يريد أن يقول لي شيئا ما، كان مترددا لكنه في الأخير طلب مني كصديق أن أكرر الزيارة إلى بيته، وواعدني بكل ثقة، بأنني في الزيارة القادمة سأجد لوحات أخرى، قال إنها ستكون بورتريهات لوجوه عربية تاريخية تمثل الكبرياء العربي والتسامح والمجد. أعجبتني الفكرة، و أعجبني أكثر انشغاله الدائم واليومي بعالمه الفني، ورغبته في ولوج معهد للفنون الجميلة مهما كلف الأمر. في أخر حديثنا طلبت منه إذا كان لا يمانع في أن أرتب له لقاء مع بعض الأصدقاء التشكيليين. أعجبته الفكرة، وقال لي بأن أبواب بيته ومرسمه مفتوحة دائما، شكرته وتبادلنا التحية. قبل أن أغادر كان صوت الوالدة- التي تأتي لرؤيته بين الفينة والأخرى كضيفة- يدعونا لفنجان قهوة. شربنا القهوة معا وضحكنا كأطفال مجانين. شكرت دعوة لطيفة الأم، رافقني حمزة إلى الباب حيث كانت الشمس بدأت تنطفئ في صدر المحيط.


 

 

 

 

 

 

 


شاهد أيضا
تعليقات
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.