العرائش نيوز:
العرائش: من حدائق هسبريديس إلى مزابل إبليس.
محمد عابد*
صباح الخير ليكسوس..مساء الخير ليكسوس..
ليس للزيارة زمن، قد نأتيك صباحا أو مساء، وفي غفلة من “حراس” الآثار الذين ينهبون كنوزك..ليس للزمن معنى.. ونحن في حضرة ليكسوس نحاول أن نتهجى تاريخها، ونقبض على ما تبقى من أنقاضها..لكن الدموع تسبقنا وكأننا نريد أن نرمم الذاكرة بالبكاء على أطلالها..عبثا نفعل ..
ليكسوس تطوع ذاكرتنا المشتعلة، و تروضها على ضبط الزمن شمسيا.
أيها الزائر لمدينة العرائش، احترس جيدا وأنت تحاول الدخول إليها، إنها مدينة منفلتة..حتما ستقودك خطاك إلى متاهاتها التي لا تنتهي..ستعيدك إلى تاريخ سحيق، و تطوح بك بين شعابه. التاريخ هنا واضح جدا .. فكل خدشة على أي جدار من جدرانها وشم يؤرخ للجرح والألم. وحدهم مدمنو التسكع ليلا يختلون بمفاتنها، تلك التي لا تمنحها إلا للذين يدركون أن التفاح الذهبي سبب هذه الفتنة… وأن المليحات الثلاث ما زلن يسكن على تلك الربوة العالية المحاذية للطريق الرابطة بين العرائش وطنجة. إنهن لا يفضلن الطريق السيار .. يعشن عزلتهن الغامضة والفاتنة.
عزيزي الزائر.. كن يقظا، فاليقظة مطلوبة في مثل هذه الأمكنة، العرائش هي ليكسوس، شبيهتها في الأنين..ظلها المائي.
واعلم، أن ليكسوس في النصوص القديمة اعتبرت من أهم المدن الفنيقية نظرا لموقعها الجغرافي المتميز، ونظرا لنشاطها التجاري والبشري الهام.هذه المدينة التي يعود فضل تأسيسها الى الفنيقيين على إثر زياراتهم الأولى للشواطئ المغربية، بحثا عن فضاء يلاءم أنشطتهم الاقتصادية المرتبطة بالبحر.
واستنادا إلى المصادر التاريخية القديمة فإنهم جعلوا من ليكسوس مدينة ذات صيت عالمي، نظرا لما تزخر به من ثروة سمكية. وفي فترة قصيرة أصبحت من أكبر المدن و أغناها، وعرفت عالميا بصناعة تصبير السمك وخصوصا في المرحلة البونيقية، أي مع هيمنة قرطاج التجارية والثقافية والسياسية.
أيها الزائر العزيز.. ألم أقل لك أن العرائش مدينة بشعاب وعرة ومتاهة ماكرة، تستدرجك لتحيلك على التاريخ ، والتارخ القديم جدا..الفنيقيون ، القرطاجيون، اللليبيون،الرومانيون، الأمازيغ و العرب. وهناك من المؤرخين من يذهب إلى القول أنها كانت موجودة قبل هذا التاريخ.
اشتهرت ليكسوس بحدائق هسبريديس أو حدائق التفاح الذهبي التي يحرسها تنين عظيم، هذا الأخير في نظر “بلينيوس” ما هو إلا تمثيل رمزي لنهر لوكوس الذي يرسم انعراجات وا لتواءات كثيرة قبل أن يصب في البحر، ففي هذه المدينة هزم البطل الخرافي “هرقل” “آنتي” ، ثم قطف تفاحات الذهب من أشجار الخلود الموجودة بحدائق هسبريديس.
مع هذه الحكاية تحسب أن “حواء” من جبال بني عروس و “آدم” عرائشي أصيل.
مرحبا بك أيها الزائر بمدينة العرائش، لكن استمع إلى همسها الخفي، إنها تناديك من الأعماق وتحثك على الخطو … سر عميقا في دمها ، وانتشر عميقا في التاريخ حتى تكتشف أيضا أن أول مسرح اكتشف إلى يومنا هذا يعود إلى عهد الملك يوبا الثاني، وكان على شكل مدرجات، وساحته المستديرة والعميقة كانت تسمح باستقبال ألعاب السيرك ومعارك الوحوش..و ستعرف كذلك أول جوامع المغرب الإسلامي التي شيدت على هذه الربوة العالية “شميس” أي مدينة الشمس أو المدينة المشمسة.
لكن من أي باب سندخلها..المدينة أبوابها متعددة: باب البحر، باب المدينة،باب المرسى، باب القصبة،باب المنجرة، باب بارة …أبواب تفضي بك إلى الفخاخ، العرائش مفخخة وملغومة، تدخل من باب لتجد بابا أخرى تتلقفك وترمي بك إلى باب آخر..كأنك في متاهة محكمة، وكل الأبواب تسلمك
آمنا إلى البحر ، إلى الأزرق الكبير .
أصوات البحارة وأهازيجهم ، رائحة السمك المشوي والمقلي تفتح شهيتك..المقاهي الشعبية تفضحها رائحة الكيف والشاي المشحر بالزيزوة، أصوات الباعة المتجولين وهم يعرضون بضاعتهم على الزبناء…هنا كل شئ له رائحته الخاصة، حتى أن حواسك تبدو متوثبة ويقظة.
وسط المدينة القديمة تجد نفسك مسيجا بأسوار عالية وبمنازل مبنية بناء ينم عن براعة الصانع المغربي.
ها أنت يا زائري العزيز قد تعبت من التجول..التقط أنفاسك قليلا على سطيحة بمقهى من مقاهي ساحة التحرير .
أعرف أن الأسئلة تتزاحم في رأسك، وتسأل : لماذا هي مهملة الآن بعد هذا التاريخ الطويل من الجمال و القوة؟ أين هي حدائقها الغناء ومسارحها و مآثرها وتحفها و معاملها ونوا فيرها…؟ أين هو طابعها الموريسكي؟ أين …؟؟
لن يجيبك أحد..فذلك تاريخ آخر تكتبه المدينة في صمت ومعاول الهدم والتشويه تنزل عليها من كل الجهات. لم تبق الا حروف الجمال.
ها هم “التتر” الجدد حولوها إلى غابة من الإسمنت ومزبلة حقيقية، وقضوا على كل ما هو جميل بها. بالأمس كان يضرب بها المثل في تصدير السمك، واليوم يضرب بها المثل في تصدير البشر ليغرق في عرض البحر هاربا من البطالة والبؤس.
إنهم ” التتر “الجدد يتفننون في ترسيخ ثقافة القبح ضدا على تاريخها العريق وضدا على أحلام أبنائها البررة.
