العرائش نيوز:
القضاءُ العادلُ شرفٌ للقُضاة وأمانٌ وإطمئنانٌ للجميع
عبد النبي التليدي
حسب إستطلاع للرأي أجرته مؤسسة “ترانسبار نسي” قال 70% من المغاربة ممن شملتهم الدراسة أن القضاء المغربي إما فاسد أو شديد الفساد بينما قال 41% من المستجوبين إنهم دفعوا رشوة للقضاء خلال السنة الماضية. فلماذا هذا الرأي الصادم للمغاربة في القضاء ؟
إن هذا الرأي يعبر عن مدى قلق المغاربة وغيرتهم على العدالة باعتبارها ركنا أساسيا للأمن والسلم ووسيلة ضرورية لإثبات الحق ودرء الباطل وتحقيق العدل ودفع الظلم والإطمئنان إلى الحقوق والممتلكات.
ويعبر أيضا عما يعانيه المتقاضون من مشاكل ومشاق ومتاعب مادية ومعنوية وما تعتريهم من صعوبات في سبيل الإنصاف والعدل وتحصيل الحقوق المشروعة.
ويعبر عن جهة ثالثة عن الوعي بأهمية القانون في حل النزاعات وبالقضاء كفاصل لابد منه ووسيلة فضلى لتحقيق الخير وتفادي الشر، خاصة وأن القاضي يتولى حماية حقوق الأشخاص والجماعات وحرياتهم وأمنهم القضائي وتطبيق القانون حسبما نص على دوره دستور 2011. وبذلك يتحقق الأمن القضائي للجميع الذي ينعكس إيجابا على الأمن الاقتصادي والاجتماعي بل وعلى الأمن العام للبلاد بما فيه الأمن السياسي لذلك قيل “العدل أساس الملك” وقيل للخليفة عمر بن الخطاب “عدلتَ فأمنتَ فنمتَ يا عمر” لأنه بالعدل تتحقق الطمأنينة في النفوس وعلى الأموال والممتلكات بل وعلى الأرواح، فيعم السلم وينقطع الناس إلى أعمالهم مخلصين متفانين ومجتهدين؛ الفلاح في أرضه والعامل في معمله والتاجر في متجره والموظف في وظيفته. فتتحقق التنمية وتزدهر البلاد وتتقدم الشعوب وتعم الرفاهية.
ومن جانب القاضي يتحقق له شرف العدل وراحة البال والضمير ويتحقق له الهناء ويحصل على شكر الناس ودعوات من أنصفهم ومن ثم رضى الله الذي يملك الجنة والنار يدخل إليهما من يشاء. لكن ما هو واقع المحاكم والعدالة في المغرب ؟
باختصار شديد واقع محاكمنا وعدالتنا ليس على ما يرام أو في مستوى ما يتمناه كل مواطن غيور، لما تشهده بعض المحاكم من مشاكل لا حصر لها سواء في بناياتها المهترئة ومكاتبها المكتظة ووسائل عمل الموظفين التقليدية وتراكم الملفات والقضايا ونقص في الموارد البشرية وعوز في الإمكانيات. أو في مستوى وعي وأخلاق الجميع وفي مدى شعور الكل بالمسؤولية من موظفين ومحامين ومتقاضين مع وجود سماسرة وضعاف للنفوس ومنعدمي الضمير مما يفسح المجال أمام الراشي والمرتشي فيقع الميز في المعاملات ويسوء استقبال المواطنين وتضيع المعلومة ويصبح الحصول على الحق بأحكام ذات جودة ونزاهة صعبا ومكلفا.
لهذا ويقدر ما يتوفر المغرب على رزنامة جيدة ومتنوعة من التشريعات والقوانين سواء الأساسية منها أو الخاصة وعلى أساتذة ومجتهدين ذوي باع طويل في هذا الميدان وعلى قضاة نزهاء وفي مستوى عال من الأخلاق والعلم. بقدرما يعتبر واقع العدالة فيه متخلفا عنها وفي غير مستوى الطموحات والآمال المعلقة عليها من الجميع سواء من القضاة أنفسهم الذي ناديهم بإعلان “الحرب على الفساد” من أجل مناهضة الرشوة وتخليق منظومة العدالة تحت شعار محاكم بدون رشوة، أو من المسؤولين عن هذا القطاع وعلى رأسهم وزير العدل والحريات الذي جاهر بأنه لا إصلاح للعدالة مع محامين ومتقاضي يفسدون القضاة، أو من خلال محاكمات للبعض ومن خلال قرارات المجلس الأعلى للقضاء المتوالية ومنها القرارات الأخيرة في شأن “الأعمال الخطيرة” التي أوجبت عزل قضاة وإحالة آخرين على التقاعد أو من خلال آراء المواطنين المستطلعين أو غير المستطلعين التائهين داخل وخارج المحاكم.
لهذا وحيث أن القضاء يعتبر ركيزة أساسية من ركائز الدولة التي اعتبرته السلطة الثالثة بعد السلطتين التشريعية والتنفيذية، وجعلتها مستقلة عنهما والملك ضامن إستقلالها وأحاطت القضاة برعاية خاصة وحصانة قضائية باعتبارهم يعملون على تطبيق القانون الذي هو أسمى تعبير عن إرادة الأمة على الجميع بمن فيهم السلطات العمومية.
فإن الوضع والقصد يقتضيان من جميع الأطراف المتداخلة في هذا القطاع من قضاة ومحامين ومتقاضين ومسؤولين تسخير كل الجهود والإمكانيات لهما، وتغليب المصلحة العامة والعليا للبلاد والعباد على المصلحة الآنية والفردية والنأي بالذات عما من شأننه أن يحط من كرامة الفرد والمجتمع ومن شرف وتقدم الوطن خاصة وأن القضاء أيضا هو إقامة العدل في الأرض بسم الله الذي ذكر في كتابه العزيز: “وإذا حكمتكم بين الناس أن تحكموا بالعدل” سورة النساء 58، وقال أيضا: “ولا تبخسوا الناس أشياءهم” سورة الشعراء 138 صدق الله العظيم.
