قصّة قصيرة: فرضيّةٌ ساخرة

العرائش نيوز:

 

 

قصّة قصيرة: فرضيّة ساخرة


مُهنّد رشك


تنفس الوقور الصعداء وهو يستقبل نسيم البحر المتوسط البارد خارج أرض المطار بعد أن ودع فصلاً ساخناً في وطنه مغايراً لفصلٍ وفد حيث حط رحاله مُبكراً. كان يرتدي قميصاً معاقاً من طرفيه، طليق المنكبين بخيل الخامة، رقيق النسيج تنبذ بياضه أشعة الشمس الغائبة في ألم. توزع بصره إلى المارة من حوله يميناً وشمالاً، أجسادهم تكسوها الملابس السميكة ما جعله مُميزاً بينهم، لكن تناقضت فرضية الاستغراب في مشهدٍ كهذا، فهم لا يأبهون بمن شذّ عن بردهم ودُثارهم وهو أخذ يأبه لحاله، ويتساءل كيف لم يميزه أحداً منهم أو يُثار.. اشترى لنفسه معطفاً شتوياً يقيه من برد إسطنبول المفاجئ.. مكث هناك أسبوعان توغلت فيهما الأمطار المنهمكة الغزيرة والرياح الشديدة الباردة، ولم تكن متعته في رحلته القصيرة هذه سوى التلذذ والشعور بالظلم معاً من دهشته للتغيير المناخي المستبد بحق وطنه عن دونه من الأوطان الأخرى.. عاد إلى وطنه مرتدياً معطفه الشتوي السميك، لكن الوطن ما زال ساخناً ملتهباً بمناخه وسخريته.. فعل مثل الذي كان معه من المارة في إسطنبول فلم يأبه لغيره مما يميزه عنهم، ولكن في وطنه المارة والعاملون يأبهون ويميزون من شذّ عن دُثارهم، ولن يفوتوا أبداً فرصة كهذه لنصب فسطاط السخرية في عماد الدعابة.. فسمع كلاماً كثيراً متطايراً، وهمهمات مصحوبةً بالضحكاتِ تتمردُ عنها أصوات القهقهات المتعالية من المتفرجين ومطلقة العنان عسيرٌ عليها الإمساك بزمامها، وعندما سَلّم وثيقة سفره لمن يفحصها للمرور بسلامٍ من ردهة المسافرين الوافدين قال له أحد العاملين في مكتب الجوازات: ما هذا يا حاج؟ وكأنك أبكرت في لباسك الشتوي.. ما القصة؟!  وسأله آخر ساخراً: أمَدينٌ للشتاء يوماً؟ وعلّق آخر: تذكرت طرفة الذي يستغيب الناس كثيراُ.. فطلب منه زميلاه أن يقصها على مسامعهما، وصاحب المعطف صامت قد إحمرّ خدّاهُ من الحرج الشديد… أخذ  صاحب الطُّرفة المفترضة يقص عليهم فحواها قائلاً: إشتكى يوماً رجلٌ نفسه عند رجل الدين في بلدته، إذ لا يبرح إلا ويستغيب الناس بلسانه، فوصف له رجل الدين علاجاً ناجعاً لمشكلته، وذلك بأن يرمي مع كل غيبة له على الناس جزءاً من أثاث بيته، ففعل ذلك مع مرور الوقت بأثاثهِ حتى لم يبقَ له منه سوى السرير الخشبي في غرفة نومه. فأمسك عن الغيبة مُجبراً.. إستوقفه ذات مرة مستطرقاً في بلدته ليسأله عن عنوانٍ معين وكان يرتدي معطفاً فيمجد ِصيفٍ ساخنٍ كما الحال مع صاحبنا المسافر هذا، فبادره الممسك عن الغيبة بقوله: أغرب عني وإلا اضطررت للنوم في العراء… فتعالت القهقهات من العاملين في بهو المطار.. تأوه المسافر العائد إلى أرض الوطن بآهاته واستجمع تشنجاً عضلياً في وجهه قائلاً: عدنا إليكم ثانيةً ولانتقاداتكم الفاشلة، لا أهلاً ولا سهلاً ولا مرحبا.. أعادوا إليه وثيقة سفره وخرج من الردهة، نزع معطفه وطواه ثم وضعه تحت إبطه الأيسر، حمل حقيبة سفره اليدوية وهمّ للمغادرة من مطار السخرية، وَدَعَهُ حراس البوابة الخارجية بابتساماتهم الساخرة: مع السلامة يا أستاذ.. مضى في طريقه حانقاً على هذا النموذج الراقي المفترض والمسؤول من العاملين في بقعة أُُعدّت لاستقبال الضيوف المسافرين والوافدين من وإلى بلده الساخر من فرضية معطف في الصيف والشتاء.


شاهد أيضا
تعليقات
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.