العرائش نيوز:
القصّةُ الكاملةُ لإستيلاء شركة أليانس دارنا على ساحل العرائش
ريبُورتاج: العرائش نيُوز
هكذا تبدُو، قطعة أرضية ممتدة على مساحة شاسعة، البحر الهادئ المستلقي على المحيط الأطلسي، بمحاذاة جماعة الساحل بإقليم العرائش، تبدو مطلة على شرفته المنعزلة عن الأهالي، فيما يُشبه خلوة العاكف المتصوف، لكنها الواجهة فقط، أما العمق فيحكي لغة مختلفة للغاية تبدو فيها ملامح البشاعة، في كنفها ينعكس إحتلال مُبطّنٌ في إبهى حُلله وتجلياته.
فيلاّ، أو مقصورة، هكذا هي وإن إختلفت التسمية، إلا أنّ النّعت واحد، يدُلُّ على منعُوته، مُسيّجة لا تؤُمُّها أقدام المارة، أو سكان المنطقة الأصليون، أو بالتعبير الفرنسي les indigènes، ها هنا يوجد البيت الفاخر للفرنسي مُوران mourin بعد أن حاز قطعة أرضية بمحاذاة البحر بذات الجماعة، وقيل لنا أن ثمن هذه القطعة الأرضية وصل إلى ما يربو على ال600 مليون سنتيما.
توغلنا أكثر، فوجدنا باب المقصورة أو (الفيلاّ) وقد تمّ إغلاقه بإحكام شديد، وقد كان في ما مضى ممرّا آمنا للعابرين بإتجاه البحر، وفضاء مفتوحا في وجه العموم، لكنه الآن تحوّل ملكا خاصا بمُوران دون سند من القانون يخوله حقّ التّملّك، وقد أسرّ لنا بعض سُكّان الجماعة أنهم حرّروا شكاية في الموضوع ومعها عارضة بأسماء الساكنة الرافضة لإغلاق الممر ضد ما أسموه إحتلالا لملكهم الجماعي، دون أن تجد العارضة آذانا صاغية من المسؤولين الجماعيين أو مؤسسات السلطة المعنية بالجماعة.
موران لم يكتفي بهذا السطو المُمنهج في الإستيلاء على الأراضي الجماعية، بل أمعن فيما يتجاوز ذلك، بأن قام بإحاطتها بسياج شائك ممتد هو الآخر، وعلى مساحة شاسعة وأغلق بذلك كل الممرات، وزاد عليها بخوصصة الشاطئ لمصلحته الشخصية، ووضع على جنباته “شُوّاية” لطهي ما طالب له الإشتهاء من خرفان وديوك، وغير ذلك كثير في أُفق استقطاب سياح أجانب لفائدته التّربُّحيّة. وعاينت “العرائش نيوز” كيف أن هذا الأخير وضع على الأسلاك الشائكة لوحات بلاستيكية مكتوبة بأحرف بارزة باللغة الفرنسية تُفيد التنبيه إلى خطورة تلك الأسلاك المزودة بالكهرباء، في إشارة منه إلى الخطر المحذق والموت المحقق الذي ينتظر كل من أراد لأقدامه أن تطأ تلك اليابسة، أو تُسوّل له نفسه التفكير للولوج إلى الشاطئ الذي تحوّل بقدة قادر من فضاء عام إلى ملكية خاصة بالفرنسي ُموران في تواطؤ مفضوح لمسؤولي الجماعة بمختلف أطيافهم تُجاه أرض جماعية، بسكوتهم عن تراميه على أرض الجماعة، دون القيام بأدنى ردة فعل منهم لوضع هذا الفرنسي عند حدّه، والطامة الكبرى، هو أن غالبية السكان تُعاني الأمية الأبجدية، فما بالك بقراءة لوحة مكتوبة باللغة الفرنسية تنبّه إلى خطورة الكهرباء المنتشرة عبر تلك الأسلاك التي تُحيل على الموت الماحق، خاصة رُعاة الماشية الذين لا يتورعون في إرتياد المكان الذي يبدو العشبُ بارزا في بعض أرجائه المختلفة، تحديدا في المنحدرات الطبيعية المؤدية إلى الشاطئ المهجور، بل إن موران إضافة إلى الكهرباء القاتل، أنبت زُجاجا مُكسّرا فوق رؤوس الأعمدة الإسمنتية القصيرة الحاضنة لتلك الأسلاك، وكأنّه يريد الإمعان في التأكيد على منع الولوج إلى الشاطئ في وجه الراغبين، حتى وإن كان يفتقدُ التملّك النهائيّ لتلك الأراضي، والغالبية من السّكّان الذين إلتقتهم “العرائش نيوز”، تحدّثوا عن إحتلال جديد يقوده هذا الفرنسي بجماعة الساحل الشاطئية، ما عدا قطعته الأرضية التي بنى عليها المقصورة أو “الفيلاّ” المنعزلة التي تأكدنا من تحفيظها تحت مُسمّى “طورةُ الحدّاد” تحت رقم 36.18.631 لمالكتها “ر.ج” الزوجة المغربية للفرنسي مُوران.
من يملكُ من؟..
لقد قيل لنا أن أشخاصا عديدين يأتون إلى الفيلا المذكورة دون أن يحدّدوا لنا طبيعة هؤلاء الأشخاص ما عدا ما عبّروا عنه بكون القادمين يقضون أوقاتا ممتعة جنب البحر بتمازُج غريب مع صمته في ليل بهيم لا ينطقُ إلاّ مع هدير أمواج الأطلسي، وأسرّ لنا مرافقُنا أن (ر.ج) زوجة الفرنسي تشتغل لحساب مروّض الخيول وصاحب أشهر مزرعة لرياضة البُّولُو POLO بالمنطقة على مستوى مدشر أمجلاو بالقرب من مدينة أصيلة، والذي ليس سوى الفرنسي إيرميس érmis صاحب الماركات الجلديّة العالمية الشهيرة من خلال شركته التي تبيع الحقائب والأحذية الجلدية ذائعة الصيت لفائدة النساء، وكشف أنها هي مديرة أعماله، وهي الشركة التي أكد مرافقنا أنها كانت وراء إغتناء زوجة مُوران بإعتبارها صاحبة الحل والعقد بهذه الشركة، وتمكنت من خلال عملها بها من بناء الفيلاّ المذكورة التي صارت مثار جدال ونقاش عميق لدى ساكنة الجماعة، بل ومضرب مثل في الترامي على الأملاك الجماعية، دون أداء الواجبات المالية لفائدة الجماعة نظير الإستيلاء على هذه الأملاك في تعارض تامّ مع مساطر القانُون ومسالكه المُعتادة.
حدود التعجب لدى ساكنة جماعة الساحل، لم تقف عند هذا الحد، بل إمتدت إلى التساؤل عن فحوى إحتضان أراضيهم لفيلاّ أخرى مجاورة لمُوران الفرنسي، لكن هذه المرة لأحد المُتنفّذين بأسلاك السلطة بالجماعة، والذي لم يكُن سوى رئيس الدّائرة الذي عاد لتوّه إلى المنطقة المذكورة بعد تنقيله إلى إحدى المدن المغربية، ليشغل نفس المهمة التي ينتظر منها أجل سنتين لإحالته على التقاعد. وتساءلت مصادرنا عن حجم المبالغ التي رصدها هذا الأخير لبناء هذه الفيلاّ الفاخرة من ذلك الحجم وفي منطقة تعرف إرتفاعا مطّردا في ثمن العقار، عندما تحدثت هذه المصادر العليمة بذات المكان عن ثمن المتر المربّع الذي إشترى به رئيس الدائرة أرضه والذي لم يتعدى بحسبها 100 درهم، في الوقت الذي إرتفع فيه هذا الثمن إلى 800 درهما في الظرف الراهن، خصُوصا مع ظهور من أبدى رغبته في شراء فيلاّ رئيس الدائرة المذكور.
دخُول الغُول الجديد للسّاحل “أليانس دارنا”
لم يتوقف مرافقُنا في الحديث عن السّاحل أو الشريط الساحلي الممتد من العرائش إلى حدود أصيلة، والذي صار بحسبه الآن في ملكية شركة أليانس دارنا لأصحابها الأزرق والفلالي وبُوعزّة، هؤلاء لم يتورّعوا حسب مرافقنا في التّغرير بالساكنة وغبنها في أراضيها بشراء قطع منها، بل ومجملها بمبالغ زهيدة، ثم العمل في مراحل لاحقة بإعادة بيعها مرة ثانية بمبالغ خيالية، وضرب مثلا بإحداها التي قال أنّ ثمن شرائها من مالكها الأصلي لم يتعدى 35 مليونا مقابل بيعها لتعاونية خاصة بالأساتدة الجامعيين بمبلغ وصل إلى 600 مليونا، وهكذا دواليك مع قطع أرضية اخرى عديدة، إلى أن قامت هذه الشركة بإلتهام كل أراضي سكان جماعة الساحل على مستوى هذا الشريط الساحلي الممتد، وإقدامها على قضم هذه الأراضي والإجهاز عليها شبرا تلو الآخر، حتّى أنهت آخر إستيلاء على هذه الأراضي بعد أن أطلقت عملية البيع في وقت مبكّر، وكأن لسان حال هذه الشركة بسحب هذه المصادر كان على علم بما يتم التخطيط له بالمنطقة في الدّهاليز المُغلقة على المدى البعيد إن لم تكن هي واضعة المخطط في مجمله، خاصة وأنها تحولت إلى منطقة حاضنة للفيلات الفاخرة ذات الأثمنة الخيالية التي تُغني أصحاب الشركة في رمشة عين دون بذل أدنى مجهود سوى تحويل عمليات البيع والشراء بهذه الأراضي من أشخاص إلى آخرين في عملية تبادلية متواصلة تغني الوسطاء وسماسرة العقار وتجار الأراضي على حساب المُلاّك الأصليين الذي بدؤوا يحسون أن غبنا كبيرا تعرّضوا له وتحايُلا في سلب أراضيهم، بعدما لاحظوا بأمّ أعيُنعهم الأثمنة الخيالية التي بيعت بها هذه الأراضي من خلال هؤلاء الوسطاء أو المُلاّك الجُدد، والكثير من السكان عبروا عن ندمهم من بيع أراضيهم عندما علموا بحقيقة السقطة المُريبة التي وقعوا فيها عن غير قصد من طرف هؤلاء التجار الجدد للعقار، هؤلاء الذين حلّوا في غفلة بمنطقتهم من مناطق أخرى نائية بالمغرب من أجل الإغتناء على حسابهم وفي وقت وجيز.
المانُوزي ينهبُ الرّمال بالسّاحل
السّطوُ، كما وقفت على ذلك “العرائش نيوز”، لم يتوقف عند هذا الحدّ، بل توغّل يضيف مُحدّثُنا إلى عائلة المانوزي الشهيرة باعتقال أحد أفراد عائلتها على عهد الملك الراحل الحسن الثاني وإختفى نهائيا أيام ما كان يُطلق عليه زمن الرصاص، وقالوا أنه حلّ بالمنطقة إلى جوار شركة أليانس دارنا، وإحتل بدوره جزءا منها خصّصهُ مقلعا غير مرخّص لإستخراج الرمال، وقال أنه حقق من خلال هذا المقلع إيرادات هائلة وإغتناءا فاحشا من خلال المتاجرة في رمال الشاطئ ونقلها عبر شاحناته الخاصة دون تدخل من السلطات المعنية أو إعمال آليات الرقابة أو مساطر القانون في موضوع إحتلال الملك الجماعي العام، أو محاولة وقف المانوزي عند حده، رغم بعض التدخلات التي قال السكان أنها ذات مفعول محدود ولا أثر لها في الواقع لأنها لا تتعدى بعض الذعائر المالية القليلة والمحدودة الأثر، تجعل مرتكبها “المانوزي” يعود إلى السطو على رمال الجماعة وبيعها ثانية، و قالت أن غضّ البصر عنه من طرف السلطات المحلية، معناه أن المانوزي مسنود من جهات معينة تُغطّي على خُرُوقاته وتتستر عليها دون أن تذكرها بالإسم، بدليل تخصيصه لممرّات آمنة عبارة عن طرقات خاصة بالشاحنات لتيسير عبروها محملة بالرمال لبيعها لأشخاص بعينهم من أجل التربح من أملاك الغير.
كما تحدث مُرافقنا على منازل أخرى وفيلاّت يملكها إسبان بالمنطقة، وبمساحات شاسعة، وتحدث في هذا الإتجاه عما أسماه “عودة الإحتلال” من جديد بعد طرده من الباب قبل نصف قرن من المغرب من خلال المقاومة، لكن هذه المرة عبر النافذة بإسم الإستثمار ودعم الإقتصاد الذي لا يعود بالنفع شيئا سوى على أصحابه المستفيدين من عائداته، بل ومنهم مستثمرون مغاربة مقيمون ببريطانيا إشتروا أراضي بالقرب من حظائر خاصة بالبهائم.
