جان جُنيه.. القبرُ والمدينة

العرائش نيوز:

 

جان جُنيه.. القبرُ والمدينة


أُُوتاوة / كندا: رحمن خضير عبّاس

                                                                                                              
حالما وصلت العرائش – وهي مدينة في شمال المغرب – حتى اقترحت على صديقي المغربي (بوسته سعيد) أن أزور قبر الأديب الفرنسي الكبير جان جينيه. وقد فوجئت بأنه يعرف المقبرة، كما يعرف أدق التفاصيل عن حياة وموت هذا الرجل الذي شغل العالم في القرن المنصرم. جان جينيه لص محترف، فقد ولد لأمراة إسمها كامبل جينيه، تخلصت منه، بعد أن عهدت به إلى ملجأ  لرعاية اللقطاء، لأنها كانت غير قادرة على رعاية طفلها وهي تبيع جسدها.

ولأنه مجهول الأب فقد استخدم اسم أمه. جينيه الذي تلظى في جحيم الفاقة والفقر واليتم والذل في طفولته. انحدر إلى القاع، متسلحا بكراهية للمجتمع الفرنسي مما جعل سيمون دي بوفوار تفسر ذلك على أنّ جينيه كان منبوذا من المجتمع فحاول أن ينتقم من ذلك المجتمع فتوجه إلى السرقة. ولا أعتقد أن الجنوح الأخلاقي وسلوك جريمة السرقة يعتمد على العامل النفسي فقط، بل يتخطاه إلى عوامل مختلفة ومنها الحرمان أو الفاقة التي منعته من أنْ يتمتع كأقرانه حينما كان صبيا، فبقي محروما حتى من الحاجات الأساسية في الحياة.

يقول في مذكراته “إن مدرس الفرنسية طلب منه أن يقرأ في درس الإنشاء،  فقرأ يصف منزله، فغرق زملاؤه في القسم من الضحك، وحينما استفسر المعلم عن باعث الضحك فيهم. قالوا له: إنهم يضحكون على جان لأنه لقيط ولا منزل لديه”. لقد كان زائرا مزمنا للسجن،  الذي رأى فيه “مهربا من الحياة لكي يعود إلى جوهرها ” وفي أغوار السجن كتب أعظم أعماله الأدبية ومنها روايته الرائعة (معجزة الوردة)، وكأنه يتعرض إلى عملية هائلة من الصراع بين الأضداد وعواملها المنتجة  ‘وقد تمخض ذلك عن عملية صهر كبيرة أنتجت قيما وأفكارا أفاضها في الكثير من أعماله المسرحية والروائية. وكأنه يقوم بعملية تطهيرية شاملة. حتى أنه حاول أن يقلع عن السرقة، وحينما استشار رفيقه في السجن الكاتب المنحرف (جوهاندو) بأنه يريد أن يتخلى نهائيا عن سلوك اللصوصية، ولكن الأخير غيّر قناعته مؤكدا أن الإستمرار في السرقة أفضل من احتراف الكتابة!.

ولعل كتابه (يوميات لص) يلقى أضواءا على الزوايا المعتمة من حياته. كما يكشف جوانب خفية من العلاقة بين الفرد والمجتمع في ظل الأنظمة الرأسمالية. وكان صريحا وصادقا في ذلك، وكأنه يريد أن يواجه كل عوامل الإنحدار الأخلاقي بأسلحتها. مما حدا بسارتر أن يقول عنه “قراءة كتابات جينيه تشبه قضاء ليلة في مبغى”.

تقع مقبرة النصارى بمحاذاة البحر. كان علينا أن نجتاز حي القصبة. كتلة من البناء الذي يعود إلى بدايات القرن المنصرم. شبكة من الأزقة الملونة، تحتمي من وهج الشمس بأقواس مزخرفة، تتدلى من جدرانها ونوافذها الورود والنباتات. أزقة ملونة بالأزرق والأبيض. تنزلق بأشكال حلزونية باتجاه السوق. سقوفها المقوسة والنوافذ، توحي لك بالطراز الأندلسي. وكأنك قد انتقلت إلى وهج الماضي الجميل للحضارة الأندلسية التي زحفت باتجاه المغرب الأقصى بعد أن طاردها الأسبان.

لقد حافظ سكان المدينة على طابعها المعماري القديم – على الأقل في حي القصبة – أما الأحياء الأخرى فقد تسلقها الإهمال، أو البناء الذي لا ينتمي إلى روح المدينة. رائحة الورد والخضرة التي تطرز جدران الزنق الملونة، تشيع في الذاكرة هوس العرائشيين الأوائل بمفهوم الحقل، الذي يشاطر البحر في أن يهب الناس نسغ حياتهم ووسيلة بقائهم. لذلك فلا غرابة أن يطلقوا على البساتين إسم (الجنان). تلك الجنان التي إلتهمتها المدينة في توسعها العشوائي.

قال لي سعيد: “كان البناء في عهد الأسبان يسمح لأهل المدينة أن يروا البحر من كل الإتجاهات”. زرقة البحر تتسرب في جدران المدينة. ورائحة  شواء السردين ينبعث من المطاعم الصغيرة الملاصقة للمرسى. اتجهنا إلى منحدر، حيث جنان بوحسينة. كان منزل جان جينيه يتوسط الشارع. ويعلو عليه بحوالي أربع درجات إسمنتية. كانت ألوانه الزرقاء قد خبت وتآكلت من رطوبة البحر. عرفنا المنزل عن طريق سيدة من الجيران أشارت إليه “هذا منزل الشاعر النصراني” وكلمة نصراني في شمال إفريقيا تعني القومية أكثر مما تعني الدين. كان بين منزله وقبره دقائق وجيزة من الهبوط. قيل: إن جينيه كان يتسكع في المقبرة وهو يتأبط كتبه. يجلس تحت ظل شجرة ليقرا أو يكتب. لم أر الشجرة قرب القبر، قيل لي: ماتت الشجرة بعد موته بعدة سنين ولم يبق منها غير جذرها.

قبل استقراره في مدينة العرائش عاش جان جينيه في مدينة طنجة ردحا من الزمن، وقد كتب عنه الكاتب المغربي محمد شكري (جينيه في طنجة) مستعرضا يومياته وجملة أفكاره وروحه المتسامحة التي تميل إلى مساعدة الفقراء والمقهورين من الناس. لم تكن دراسة محمد شكري عن جينيه عميقة، أو تفيد القارئ في فهم شخصية هذا الأديب أو فحوى التحولات الفكرية التي تعرضت له شخصيته.

يبدو أنّ العرائش قد راقت لجينيه، فاتخذ منها ملاذا للتأمل والإسترخاء، والتقرب إلى البساطة والعفوية التي عشقهما منذ طفولته، بعد أن هاجر من بلده فرنسا وهو متوج بشهرة يحسده عليها كتّاب وأدباء كبار. فقد كتب عنه الفيلسوف الوجودي سارتر كتابا مهما مشبعا برؤية فلسفية بعنوان(القديس جينيه .ممثلا وشهيدا) ورغم أنه كان يبرر جنوح جينيه ويعتبره ضحية  لقيم عصره المختلة، ولكنه استطاع أن يتخذه مثلا لقيم العبثية في أسمى تجلياتها. كما اعتبره كوكتو أكبر كتّاب عصره. وإختارته مؤسسة لاروس عام 1976 كواحد من أدباء فرنسا العظام.

وهكذا فقد كان تسكعه في أزقة العرائش ومقاهيها شكلا من العودة إلى النبع، إلى التعايش مع المتعبين والمشاغبين والصيادين والشحاذين ومدمني الخمر والأفيون، التعايش مع الصالحين والطالحين وذوي الدخول المحدودة أو الذين يعيشون تحت خطوط الفكر والكفاف. لم يتعايش معهم بصفته منقذا أو مصلحا، ولكنه حاول أن يقترب من ماضيه ويحس بمتعة تأمله. لم يكن ملاكا في تطهره ولكنه لم يكن شيطانا، فقد عاش كإنسان بسيط، ينفق على نفسه مما تدر عليه مؤلفاته.

في بداية ستينات القرن الماضي تحول من شخصية مشاكسة إلى إنسان يمتلئ بالوداعة. فقد هجر أسلوب العبث واللامبالاة إلى معانقة الهموم والقضايا الإنسانية التي تقضّ مضاجع عصرنا، كاهتمامه بقضايا الزنوج والفصل العنصري. إضافة إلى انشغاله بالقضية الفلسطينية. لقد كتب عن العمل الفدائي المقاوم. وأصبح صديقا للفلسطينيين في مخيماتهم، وحينما حدثت مجزرة صبرا وشاتلا، كتب عنها، وكان ضمن أول وفد صحفي وإعلامي يدخل المخيم بعد المجزرة وقد كتب عنها أربعة أيام في شاتيلا، تحولت إلى مسرحية من إخراج فنان مسرحي فرنسي.

يقول في كتابه: “حفلة وحشية جرت هناك، سمر ورقص ونداء وتأوهات”، وقال في نفس الموضوع “لقد كان عليّ أنْ أذهب إلى شاتيلا لأدرك بذاءة الحب وبذاءة الموت، فالأجساد في الحالتين ليس لديها ما تخفيه”، كان الوحيد من كتاب الغرب ومفكريه من كتب عن المجزرة وفضح فيها القاتل، سواء الذي قام بحفلة القتل الأليمة أو من تستر عليها ووفر الظروف الملائمة لحدوثها. كانت كلماته تنزف دما، حتى جعل العالم يشعر بالعار من هذه الوحشية التي ترتكب ضد البشر الأبرياء. لقد أدان جان جينيه السكين المتوحشة التي ذبحت البشر العزّل. وأبرز إلى المجتمع الغربي فجيعة المأساة التي مرت بصمت.

كان قبر جينيه يختلف عن القبور المحيطة به. يستلقي على ربوة صغيرة. لا يفصله عن البحر سوى سور حجري قديم. تبدو شاهدة القبر بيضاء ناصعة وكأنها قد جُددت مرات لبواعث سياحية، حيث أن قبره يستقطب الكثير من المثقفين. كُتب على شاهدة القبر (جان جينيه من 1912 إلى 1986). كان قبرا بسيطا يتخلله الرمل البحري. يبتعد قليلا عن قبور الجنود الأسبان الذين قتلوا أثناء أداء واجباتهم في تحقيق سياسة جنرالاتهم التوسعية. لكن جينيه الذي أوصى بأن يدفن في العرائش بعد موته، أراد أن يكون قريبا من أناسه البسطاء الذين اعتزوا به حيّا وميتا، رغم ما رافق حياته من جدل حول بعض ميوله الشاذة. لقد إنصاعت فرنسا لرغبته قبل موته في نقل جثمانه إلى المغرب، كما استقبله المغاربة استقبالا رسميا وشعبيا ليدفن في مقبرة (النصارى) ولكن جينيه المتمرد على وطنه الأم في حياته، يستمر في تمرده حتى في موته.

في ربوة غير بعيدة عن المقبرة، تستقر ليكسوس أو (التفاحة الذهبية) وهو الإسم الفينيقي لمدينة العرائش القديمة، التي لم يبق منها سوى أطلال لذكرى حضارات كانت تمتد من البحر إلى المحيط، وهاهي ما زالت قابعة على الربوة تنتظر من يفك أسرارها. نهر اللوكوس ما زال شاهدا على عمق الحضارات التي مرت على تلك السهوب والربوات، وقبر جينيه يغرق في الظلمة ليلا بينما تبدو الحياة في الصيف العرائشي غارقة في الأضواء. أفواج من الناس يتبضعون أو يحتسون القهوة، أو يتسكعون في الطرقات المفتوحة على البحر، بينما أمواج الأطلسي تعانق الصخور.


شاهد أيضا
تعليقات
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.