حكاية مهاجر ـ 30 ـ

العرائش نيوز:

حكاية مهاجر  ـ 30  ـ

نجيب تينتين الوزاني

 

الليلة الأولَى في  Penida del mar

في طريقنا إلَى پينيدا دِلْ مار (Penida del mar) بدأ ابن البلد يسألني عن مغامرتنا ، كَانت أجوبتي في الغالب قصيرة مع تركيزي علَى أن شكل و نوع من هاجر معهم في العموم كانت جيدة ،فهم الرجل أنّني غير مستعد للحديث في هذا الموضوع ، فغير حديثه إلَى موضوع له علاقة بالدار التي نحن متوجهون إليها، فأخبرني أن في الدار مجموعة من الشباب المغَاربة ، ومن بين هؤلاء شاب من مدينة العراَئش ، و مع هذا الشاب سوف أستقر في البيت الذي يتخذه كغرفة مع وجود أغراضه الخاصة.  سررت بهذا الخبر رغم عدم معرفتي به ، لكن و علَى لسانه أنه شاب لطيف ومثقف و ذو أخلاق عالية؛ في الحقيقة هذا الخبر أزاح عن طريقي ركاما من الهموم كنت قد شعرت بذلك عند سماعي ثنائه عن هذا الشاب .
وصلنا إلَى الدار وصعدنا علَى الأرجل إلَى باب الطابق دون أن أعلم في أي طابق نتواجد ، كان في الدار ساعتها أغلب الشباب، لكن الشاب العرائشي لم يكن موجودا، عرفني على أسماء الشباب وعرفتهم باسمي ، بقي معي ابن المدينة أزيد من ساعة وذلك ليعرفني عن الدار وكيف تدار الأمور فيها وكذلك البيت الذي سأستقر فيه ، قبل أن يغادر الدار اتصل بالشاب ليخبره بوجودي وأمور أخرَى ، ثم أخبرني بأنه غدا سيأتي.

بعد صلاة العشاء بحوالي نصف ساعة، حضر الشاب إلَى الدار و تعرف علي ورحب بي.  شكرت له مجاملته ثم طلبت منه أن يدلني علَى اتجَاه القبلة لأداء الصلاة، بعد الانتهَاء منها كان الشبَاب قد جهزوا العشاء في انتظار قدومي، فأكلنا وشربنا وبقيت معهم لمدة قصيرة ، فَاستأذنتهم وطلبت من الشَاب مرَافقتي للبيت ليعرفني بمكاني في النوم ،بعد انصرافه خلوت بنفسي وقرّرت أن أصلي تقربا إلَى الله متوجها إليه بالأدعية ، ثم أخذت مرقدي استعدادا للنوم ، وضعت يدي اليمنَى تحت خدي وبدأت في قراءة دعاء النوم، متوسلا به، لكن!! يوم كنت شابَا ياَفعا ،كان ذلك في أواخر سبعينيات القرن الماضي ، كان الراديو الوسيلة الوحيدة لفئة من شباب الحي وأحياء مجاورة لجنان الباشا للسهر مع بعض الأغاني لرائدة الأغنية العربية أم كلثوم رحمها الله.
كانت إذاعة طنجة مشكورة في برمجتها الأسبوعية تخصص في الّليل لبعض الوقت بعض الأغاني للسيدة أم كلثوم، فكنا نقضي في الشارع الشبه المظلم في الحي – جنان الباشا – ساعات من الآهات والذوبان بمشاعرنا مع الأغنية عبر الأثير، أغنية “الأطلال” و “يا مسهرني” كنموذجين علَى سبيل المثال لا الحصر.
في أولَى ليلتي بپنيدا دِلْ مار ورغم محاولتي المتعدّدة كي أنام لم أستطع ذلك، فعشت لساعات في سهر مع “يا محيرني” وليس مع يا “مسهرني” لأم كلثوم، “يا محيرني” قصيدة طويلة جدا جدا، مطلعها يبدأ بثلاث كلمات:((من أين أبدأ))، كان للمرحوم خالد محمد خالد كتاب (من هنا نبدأ) وهو بذاك وفي زمَانه الذي هو غير زماننا اليوم، يرد علَى بعض الأقلام التي كانت تخوض معارك فكرية ثقافية أنهكت كل المتحاربين.
في تلك الّليلة بدأت من جديد إعادة قراءة القصيدة منذ أن خرجت من داري متسللا في الظلام كالسارق وما أنا بسارق ، ألج نفقا أسير فيه علَى يدي وركبتي حتَى أخرج منه لأتابع المسير بالليل فأتعثر وأسقط ، و في النهار أقوم (منتصب القامة أمشي) أزيح كل الحواجز المصطنعة الموضوعة بعناية ورعاية لهدر كرامة الإنسان في وطننا العربي القاتم، وقبل نهَاية القصيدة تربع علَى عرش قلبي الحزين آلام أم عبد الرحمان فدعوت المالك الديان أن يجعل أفئدة من الناس تهوَى إليها ، وقبل أن يأخذني النوم بلحظات قلت: وماذا بعد ؟


شاهد أيضا
تعليقات
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.