العرائش نيوز:
مثل صيف لن يتكرر
الفصول الأربعة في المغرب، لا تشبهها في بلدان الناس، فالربيع ” kitsch” دائم الاخضرار، لكنه بعشب اصطناعي وورود بلاستيكية لا طعم لها ولا رائحة، كأحزابنا ومؤسساتنا الدستورية. والخريف فصل ملازم لكل الفصول، ولننظر كيف هبت رياحه على صناديق 7 أكتوبر فشتتت كل الأوراق. وفي الشتاء “حين يعشب الثرى – نجوعْ” كما قال السياب. أما الصيف فها هو يمر أمامنا نارا بدون نور، مثل صيف لن يتكرر (عنوان رواية لمحمد برادة).
صيف 2017، يعيشه المغاربة بوعي غير مسبوق وسخط متقد؛ فثمة اختناق في الحرية وإفساد للديمقراطية، وللعملية السياسية برمتها، بعد الأمل والعمل الذي تحقق في 2011، قبل أن يبدأ في التراجع، ابتداءً من إخراج شباط من الحكومة، وصولا إلى إخراج بنكيران منها. ويا ليت بنكيران يتراجع عن فكرة حمل أسراره معه إلى قبره، فهي أسرار المغاربة، تطوق عنقه، وهو ملزم بأن يكتبها، وله أن يختار توقيت إخراجها.
صيف 2107، نعيش بداية نهاية آخر حزب كبير، مستقل ومستقر. العدالة والتنمية على خطى الاتحاد الاشتراكي، يعيش حالة نفسية أقرب إلى السكيزوفرينيا المختارة، يريد الحفاظ على قوته وتماسكه، والبقاء في حكومة تقوده ولا يقودها. ميزة الحزب أن أيدي قادته وقواعده لم تتلطخ بالمال العام، لكنهم قيدوا أنفسهم بشعارات ورسموا لأنفسهم حدودا لا يحترمها الطرف الآخر (الحكم).
لا يحترمها، لأنه لم يعتد على التعاقد بندّية مع أحزاب هو من كان يصنعها أو يضع رجاله فيها، وإذا كان دستور2011 قد سطر ما يشبه تعاقدا بين المؤسسات والسلط ورسم حدود كل واحدة منها، بما في ذلك المؤسسة الملكية، فإن عدم وصوله إلى حد الملكية البرلمانية، مأزَقَ هذه المؤسسة وجعلها في وضع “الخصم والحكم”.
الشعب بدوره لم يعد يحترم هذا التعاقد، بعدما وعى باختلال العملية السياسية التمثيلية، لذلك كفر بها ونزل إلى الشارع دون بوصلة. وخشية من تطور الأمور وحدوث اصطدام مع المؤسسة الملكية، تم إخراج مجموعة من “الشناقة” السياسيين والإعلاميين الذين يدفعون المتظاهرين في الريف إلى تعليق الأزمة في رقاب السياسيين “الذين تآمروا على الملك والشعب”، على السلطات المحلية والإقليمية التي “لم تنفذ أوامر الملك”، والسلطات العمومية التي “نكلت برعايا الملك”، والقضاء الذي يصدر أحكاما قاسية باسم الملك… وبالتالي المطالبة بعفو ملكي. لكن السؤال المُحرج الذي طرحه معتقلو الحراك وعائلاتهم هو: كيف نطلب من الملك عفوا عن أخطاء اقترفها المخزن؟ وإذا التمسنا العفو من الملك، فهل سيحل ذلك المشكل.. أليست الاعتقالات مجرد حدث طارئ –رغم جسامته- في مسار الغضب الشعبي على الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية في الريف وفي المغرب ككل؟
هذه الأسئلة المثلجة للصدر هي التي تُلطّف من صهد هذا الصيف القائض. وتجعلنا نقول مع نزار قباني: “إن الثورة تولد من رحم الأحزان”. الثورة على وضع المؤسسات والأحزاب والأفكار، المتكلسة والشائخة، حتى لا يذهب “الشناقة” أبعد مما يجب.
سليمان الريسوني
