برج اليهودي بالعرائش

العرائش نيوز:
محمد عزلي

يقع برج اليهودي داخل حدود القصبة وبالضبط بساحة دار المخزن حيث يشكل مع الكومندانسيا (قصر مولاي إسماعيل) و برج اللقلاق (حصن النصر) مركبا للتراث الثقافي المادي، يطل على المرسى ونهر اللوكوس والأراضي المجاورة للمدينة، تبلغ مساحته 130 مترا مربعا، يتكون من طابق تحت أرضي وطابق أرضي وسطح يحيط به سور تتخلله فتحات كانت توضع فيه فوهات مدافع صغيرة وبنادق، إضافة إلى أربعة معاقل صغيرة عند زواياه.
استعمل بادئ الأمر كبرج للمراقبة، ثم تحول في عهد السعديين إلى دار للاستقبال، ثم إلى دار للعدالة مرفق بسجن تحت أرضي، أما في عهد الاحتلال الإسباني الثاني في القرن 20م فقد تحول المبنى إلى مخزن عسكري تابع للجيش الإسباني.
أصبح برج اليهودي أو “الطوري” كما هو متداول لدى سكان العرائش -هي كلمة إسبانية تعني: البرج- بعد الاستقلال متحفا أثريا، افتتح بمناسبة المهرجان الدولي “أسبوع العرائش” سنة 1978، وقد تجلت أهميته في التعريف بتاريخ موقع ليكسوس الأثري عارضا في الوقت ذاته بعضا من اللقى الأثرية المستخرجة من الموقع والموزعة في الوقت الراهن بين متاحف تطوان، طنجة، فاس، والرباط؛ ليتحول دوره اليوم إلى رواق للعرض تابع للمركز الثقافي الإقليمي.
عن سبب تسميته، تحكي الروايات التاريخية أن السلطان السعدي أحمد المنصور الذهبي نزل بمدينة العرائش مرفوقا بطبيبه الخاص اليهودي، فاتخذ الأخير من البرج مقرا له ليصبح معروفا منذ حينها ببرج اليهودي.
تختلف الروايات عن زمن بنائه، فهناك من يذهب إلى أن من شيده هو السلطان عبد الحق المريني (1195–1217م) وهناك من ينسبه للوطاسيين الذين اشتغلوا كثيرا على تحصين الثغور المغربية بما فيها العرائش بداية من القرن 15، وهناك من يربطه بالنهضة السعدية في القرن 16، والراجح أن البرج شيد مع القصبة التي بنيت في عهد الدولة المرينية على يد السلطان يعقوب بن عبد الحق (1258/1286م) بغرض المراقبة، أو أنه أضيف للتحصينات العسكرية التي قام بها الوطاسيون في القرنين 15 و16 والتي ضمت بكل تأكيد برج البحر الذي سيتحول إلى حصن الفتح في القرن 16 على يد السعديين الذين أسسوا نظاما دفاعيا أكثر صلابة وتطورا لتحصين ثغر العرائش بما فيها حصني الفتح والنصر مباشرة بعد انتصار معركة وادي المخازن 1578.
كان شكل برج اليهودي دائريا كما توضحه التصاميم الأجنبية المؤرخة لفترة ما قبل الاحتلال الإسباني للعرائش سنة 1610، لكن وبعد استقرار الإسبان بثغر العرائش في القرن 17 قامت قوات الاحتلال بهدم البرج الدائري وإعادة تشييده مربعا على شكله الحالي، وبقي كذلك إلى أن أضيفت عليه معاقله الأربع في زوايا سطحه وذلك في القرن 20 على يد سلطات الحماية الإسبانية، وفي نفس هذا السياق وفي معرض حديثه عن تطور البنية الإنشائية المعمارية لبرج اليهودي يقول الباحث شكيب الأنجري “إن تصاميم المدينة التي تعود لفترة القرن السادس عشر للميلاد خاصة تصميم المهندس البرتغالي (بوارطي)، يظهر البرج متخذا شكلا دائريا وليس مربعا كما هي حالته اليوم، وهناك دراسات أركيولوجية تعود لفترة التسعينيات من القرن الماضي تؤكد أن البرج بني خلال فترة الاحتلال الإسباني الأول ابتداء من 1610م، وللربط بين التصميم القديم للحصن حسب المرجع البرتغالي والدراسة الأركيولوجية المنجزة، يمكننا القول أن البرج فعلا بني قبل القرن 17م متخذا شكلا دائريا، وبعد احتلال المدينة نونبر 1610م، وفي إطار عملية تحصينها تم هدم البرج الأصلي وبني مكانه برج آخر مربع هو الذي وصلنا اليوم. أما المعاقل الأربعة التي تقوم عند الزوايا الأربع للبرج ليست أصلية في بنيته الإنشائية وإنما أضيفت للبرج خلال عملية تهيئته في فترة الأربعينيات من القرن الماضي، فبرج القرن 17م كان من دون تلكم المعاقل الأربعة -انظر الصور في ملحق الوثائق- كما أن النقيشة الحجرية التي تمثل شعار الملك الإسباني فليب الثالث المثبتة أعلى مدخل البرج توضح بشكل أو بآخر أن البرج في شكله الحالي بني من قبل الإسبان. ويبدو أن البرج اتخذ شكله الدائري في فترة بناء القصبة تبعا للأبراج النصف دائرية الإحدى عشر التي كانت تحيط بالقصبة أو عرائش القرن 15م متبعة النمط المعماري الأوربي السائد آنذاك في تحصين المدن؛ حيث نجد المدينة المسورة بسور تتخلله أبراج نصف دائرية لمراقبة أجزاء السور الدفاعي وفي الوسط نجد برجا كبيرا يعرف في العمارة العسكرية الأوربية ب TORRE HOMENAGE، الذي يشكل الملاذ الأخير والآمن لحامية المدينة في حالة فشل أسوارها في الدفاع عنها، ولربما كان برج اليهودي مركزا رئيسيا للمراقبة وقيادة العمليات العسكرية بالمدينة، ولربما أيضا كان مقرا لقائد جند مدينة العرائش”.
تجدر الإشارة أخيرا إلى أن برج اليهودي مصنف ضمن قائمة التراث الوطني مستفيدا من القانون 22/80 المتعلق بالمحافظة على المباني التاريخية والمناظر والكتابات المنقوشة والتحف الفنية والعاديات.
مراجع :
· د إدريس شهبون. العرائش في تاريخ المغرب قبل عهد الحماية
· إبراهيم حركات. المغرب عبر التاريخ
· عبد الكريم التواتي. مظاهر الثقافة و الفكر لبني مرين


شاهد أيضا
تعليقات
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.