شارع أشمور رود Ashmore Road (الحلقة الثالثة)

العرائش نيوز:

بقلم: عبد الصمد  الشنتوف

كانت الساعة تشير الى التاسعة ليلا. بدأ الليل يرخي سدوله، صياح قوي يتناهى الى أذني من بيت موريس، قررت استطلاع الأمر عبر النافذة. شجار عنيف يدور بينه وبين تريزا ، لم تعد تريزا تستحمل حماقات زوجها المدمن، فالرجل عندما يبدد أجرته على رهان سباق الخيول يصاب بسعار يفقده صوابه. فيلجأ الى زوجته ليبتزها ويعنفها ليحصل على قسط من المال يشفي به غليل إدمانه المرضي. هذه المرة تريزا تعنتت ورفضت أن تمنحه المال، فقام موريس بتعنيفها وإهانتها. غضبت تريزا وواجهته بصلابة، لطفح كيلها من هذا الرجل العربيد، فقامت بطرده من البيت وألقت بملابسه في كيس بلاستيكي أسود من الشرفة المطلة على الشارع. بعد لحظات حلقت بدلة سوداء في السماء وكأنها طائر الشحرور يسقط على الأرض، ثم ألقت بحذاء أسود سميك من نوع “د.مارتن” من أعلى الشرفة كاد أن يشج رأسه. بدا موريس ذليلا يتوسل زوجته أن تعيده إلى البيت. يصرخ، يعتذر ، ويبكي في آن واحد. يراقب سكان أشمور رود هذا المشهد البئيس عبر النوافذ وشرفات البيوت، لكن تريزا لم يرق قلبها له هذه المرة لأنه تجاوز كل الحدود. لم تشفق عليه، لقد تعبت من إدمانه ولم تعد تطيق معاشرة زوج مدمن أحمق. حاول جارهما الإفريقي أن يصلح بينهما ويستعطف تريزا لكي تعيده إلى البيت لكنها أبت أن تغفر له، كان الغضب قد بلغ مداه داخل قلبها وازداد ضراوة بعدما أهانها وضربها. كانت تصرخ بأعلى صوتها: سأتصل بالشرطة إن لم تغادر على الفور، فلتذهب إلى الجحيم أيها الوغد الحقير. 

فجأة حلقت بذاكرتي إلى زمن بعيد عندما كنت طفلا صغيرا في العرائش. كنت أرى جارنا بوشتى يصيح ويضرب زوجته خدوج في حي جنان قريوار. تظل المسكينة تستغيث بأعلى صوتها ولا من مغيث. كان يوجعها كثيرا بلكماته، بوشتى مفتول العضلات وقوي البنية، عندما يطفح سكره يأخذ حزامه الجلدي فينهال عليها بالضرب وكأنه جلاد نازي. أحيانا كنت أسمعه يكسر أواني المطبخ بشكل هستيري مثل ثور هائج، يصيح كالمجنون: اخرجي عني، اخرجي عني، فيطردها من المنزل ويغلق الباب بقوة.
تجلس خدوج على عتبة الباب تبكي وتندب حظها مع هذا الزوج الوحش، تستعطفه وتستجديه “هانا مزاوكا، هانا مزواكا” ( أرجوك ، أرجوك ). كانت المرأة تنحدر من عائلة فقيرة بإحدى المدن البعيدة، فيتدخل الجيران كوسطاء خير وإصلاح، يستعطفون بوشتى ويقبلون رأسه بغية استرضائه، يشعر بنشوة المنتصر على امرأة مغلوبة على أمرها بعدما يمرغ كرامتها في التراب. يمشي في الشارع بين الجيران جيئة وذهابا، يمسك بحزامه اللعين وهو كله استعلاء وعجرفة حتى تظنه عتبة بن ربيعة يؤدب عبده المتمرد. من يجرؤ أن يوقف بوشتى عن غيه وظلمه، لا أحد ؟!. نكتفي بالفرجة ونرقب من بعيد ما ستؤول إليه الأمور بعد توسلات واستجداء الجيران. تنهض خدوج ذليلة، مطأطأة رأسها، مكسورة الخاطر فتعود إلى البيت بعد أن يعفو عنها زوجها الصلف. كان مشهدا حزينا يتجدد بنفس الطريقة كل مرة وهكذا دواليك.
حضر رجال الشرطة، دخلوا بيت تيريزا لتقصي ما حدث ومعاينة آثار العنف على جسدها، بعدها اعتقلوا موريس وأدخلوه سيارة الشرطة متأبطا كيسه الأسود وكأنه شحاد متسول، ثم انطلقوا به مسرعين إلى المخفر لاستكمال التحقيق.
هنا بأشمور رود تعلمت أشياء كثيرة. تعلمت كيف تأخذ المرأة حقها عندما تهان وتكون ضحية عنف أسري، تعلمت كيف تذوب الفوارق بين الأقليات رغم اختلاف اللون والدين، كما تعلمت كيف يدار الصراع السياسي بين فرقاء متنافرين برباطة جأش. والأكثر من ذلك أدركت أن بلاد الإنجليز تحكمها امرأة حديدية بسلطة الحق والقانون. قانون يسري على موريس كما على الجميع.  بينما في الضفة الأخرى هناك ، رجل عربي يحكم بقبضة من حديد بسلطة قانون لا يحفظ كرامة خدوج، لأنه قانون فصل على مقاسه ومقاس بوشتى…

إلى اللقاء… يتبع…


شاهد أيضا
تعليقات
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.