وخوفاً من أن يتكرّر سينايو الثورة المصرية، ويأتي ربيع دمشق بإخوان مسلمين إلى الحكم، سارع محور الثورة المضادة إلى تسليح الثوار السلميين في درعا، وتجنيد الشباب العربي المؤدلج عبر العالم، لإشعال حرب إيديولوجية إقليمية، أتت على الأخضر واليابس في المنطقة، من دون أن تنجح في تحقيق هدف محور “الثورة المضادة”، وهو إسقاط نظام بشار الأسد، وتنصيب “حكومة شرعية” على شكل حكومة عبد ربه منصور هادي في اليمن، تتلقى تعليماتها من أبو ظبي والرياض.
أما في أبو ظبي، والتي تعتبر عقل الثورات المضادّة، فجاء الإعلان عن فشل تدبيرها من خلال إعلانها المفاجئ التطبيع مع نظام بشار الأسد الذي حاربته بالمال والعتاد والرجال لإطاحته، فقد حمل هذا الإعلان في طياته استسلاما لعاصمة “الثورات المضادّة”، وكان طبيعيا أن نشهد سباق العواصم والأنظمة التي تدور في فلك محور “الثورات المضادّة”، نحو التطبيع مع دمشق الأسد. وعكس ما يحاول بعضهم ترجمة موسم التطبيع العربي مع دمشق بأنه انتصار للأسد ونظامه، فإن ما حصل هو العكس، أي فشل “الثورات العربية” التي ساهمت في استمرار الأسد طوال السنوات السبع الماضية. أما الأسد حاكما فقد سقط أخلاقيا، لأن الرئيس الذي قتل ربع مليون نسمة من شعبه، وهجّر نصفه، ودمر بلاده، وفتحها لجميع قوى الأرض لتجرب فيها وفي شعبها كل أنواع الأسلحة، لا يملك أية شرعية، لا أخلاقية ولا سياسية ولا دينية، للاستمرار في الحكم. وغدا عندما تهدأ أصوات المدافع، وتتوقف براميل البارود وقصف
الطائرات الروسية، سيجد الدكتاتور نفسه عاريا مرة أخرى أمام إرادة الشعب التي لا يمكن أن تصادرها أسلحة العالم التي قد تنجح في قمعها وإخراسها بعض الوقت، وليس كل الوقت. اقرأوا تجارب الشعوب الأخرى وتاريخ ثوراتها.
أما في مصر فقد أبان النظام الانقلابي عن محدودية خداعه شعبه، فها هو ينهي عامه الخامس على وقع الفشل المتكرّر في كل المجالات، فشل أمني وفشل اقتصادي وفشل سياسي. الأمر الوحيد الذي نجح فيه نظام عبدالفتاح السيسي هو سرقة الثورة، وإخراس أصوات معارضيه، لكن إرادة الشعب ما زالت تنتظر الشرارة التي ستطلقها من عقالها.
ما شهدته السنة المنتهية من تحولاتٍ وأحداثٍ كبرى، على مستوى المنطقة العربية، سيجعلنا نتوقع تداعياتها خلال هذا العام الجديد الذي سيكون بلا منازع عام نهاية الثورات المضادّة، وبداية عهد جديد، يصعب التنبؤ بمكنونه، لكنه حتما سيكون مختلفا عن تلك الثورات المضادّة التي أورثت المنطقة سبع سنوات عجاف، ولعل وعسى أن يكون ما هو آتٍ سنبلات خضراء وأعواما تُغاث فيها الشعوب.
