قفشات من صخب الصبا “غدا رمضان”

العرائش نيوز: 

غدا رمضان.. الخبز والرمان.. غدا رمضان.. الخبز والرمان…

رمضان بوشاشية.. شبعنا شباكية.. رمضان بوشاشية.. شبعنا شباكية…

رمضان بوطربوش.. شبعنا الكرموس.. رمضان بوكريرة.. شبعنا الحريرة…

بهذه الأهازيج المتوارثة صغيراً عن كبير ولاحق عن سابق كنا نجوب أزقة أحيائنا، نستقبل الشهر الفضيل ونحتفل بليلته الأولى مباشرة بعد مغربها. كان في ذلك احتفاء بالوافد الجديد، وأيضا إعلانا عن حلوله قبل أن يصعد الغياط والنفّار بعد صلاة العشاء إلى صومعة الحي ليصادقا على هذا الإعلان ويشهراه بين الجميع بترانيم الأول الرائعة ونفير الثاني المنبهة.. 

كثير من الناس لا يلقون بالا لهذا الموعد المنتظر، ويظهرون المفاجأة عند لقائنا أو سماعنا نردد هذه الأهازيج، خاصة إذا لم يوف شعبان عدته، وسلّم الشاهد لرمضان دون أن يكمل الثلاثين. ولذلك نشهد قيامة من الزحامات تنبعث في كل مكان له علاقة بالاستعداد لليوم الأول من الصيام. فالمخابز والمجازر ومحلات الدواجن والمحلبات والعطارات وغير ذلك من مواقع التسوق تعيش ليلة بيضاء من كثرة الطلب، وكأننا بلهطتنا هذه نوحي إلى غيرنا أننا كنا نعيش تحت وطأة حصار مطبق وانفرج في هذه الليلة…   

 نحن القاصرون عن التكاليف، وإن كان لا يهمنا في زحام الأسواق شيء أكثر مما يمليه علينا فضولنا، فإن زحام الحمّام في تلك الليلة هو فرض عين علينا، حتى وإن غاب عنا فهم إجبار أنفسنا الحرصَ على الاغتسال فيها إلى هذه الدرجة.. 

حمّام الحي يتناوب على ساعات استعماله النساء والرجال. الصبح والليل بعد العشاء خاص بالرجال. والنهار إلى حدود العشاء هو من نصيب النساء.. ومع نفس السلوك الذي لا يزيغ عنه النساء والرجال على حد سواء خلال هذه الليلة.. حيث تتضاعف أعداد المستحمين والمستحمات إلى أضعاف عديدة، نبقى تحت رحمة الثقيلات منهن ننتظر عند الباب إلى ما بعد منتصف الليل.. أحيانا كثيرة أعود إلى البيت مؤجلا ذلك إلى الغد وفي نفسي عتب من كوني لم أستطع أن أؤدي هذا الطقس الواجب في موعده.. في إحدى المرات، وكان الجو حارا قمت في الصباح فحملت حقيبة ملابسي والنقود، وعوض أن أقصد الحمّام  رفقة أحد أقراني من العائلة قصدنا “عين شقة” وثمة ظفرنا بحمامين رائعين؛ الأول مالح في مياه البحر والآخر عذب بمياه “العوينة”.. وظفرنا أيضا بنقود الاستحمام التي صرفناها قبل السحور في مشاهدة الفيلم الهندي الجديد ل”أميتاب باشان” تحت عنوان “أعجوبة”..

ما إن يهل هذا الشهر حتى نفتح سجلات حساب صومنا. كلما أتممنا يوما قيدناه بهذه السجلات.. نتفاخر بيننا بعدد الأيام التي قضيناها عطشى وجائعين، ونتجادل يوميا حول صدقنا أو كذبنا.. لساننا هو شاهدنا الذي لا يكذب، ولذلك نظل نكشف عنه لبعضنا البعض؛ فإن كان أبيض جافا نصادق على صوم صاحبه، وإن وجدناه أحمر رطبا نقول لصاحبه (سير الله يمسخك يا وكال رمضان)..

المضمضة طقس لا نزيغ عن التمسك به كل يوم، لأنه سبيلٌ إلى إنفاذ بعض القطرات إلى حلقنا الجاف.. ولذلك نبالغ في تكرارها حتى نخدع صيامنا ونروي أنفسنا عمدا من عطشنا المميت…

أيام رمضان خلال عطلة الصيف هي أطول الأيام. قضاؤها دون أكل أو شرب مع الاستيقاظ المبكر يعد ضربا من العذاب. وبناء عليه، نحرص على هجر البيت والحي وكل أمر يذكرنا أو يقربنا من الطعام والشراب.. ومنذ الصباح نقترح على بعضنا التوجه إلى أبعد نقطة يمكننا الوصول إليها مشيا على الأقدام فنقول: (يالله نجيبو المغرب..)

الواد أو البحر في الغالب هما مقصدنا في النصف الأول من اليوم؛ فنقضي ساعاته الطويلة لاعبين أو سابحين أو صائدين للمُرّايَا والكونكريخو وفي نفس الوقت حاسبين الوقت الثقيل وممضمضين.. وإذا ما اقترب العصر التحقنا بالملعب البلدي لنستمتع بمباريات دوري رمضان المنظم من نيابة الشبيبة والرياضة تحت إشراف الرائد في الصبر على كل أشكال السب والشتم والاحتجاج.. والمبتسم دوما الناشط “محمد العربي سحيحاح”.

شهر كامل من التباري، تشارك فيه جميع فرق الأحياء بالمدينة بأشهر لاعبيها ومدربيها ك(التراكتور وعلي حيلة وحسن هامون والحدومي وفريطح وباكا وخناشر والصحراوي والتهامي بدري وخيرون ومجاو وفريقش وامجيد والحصيني وغيرهم…) إضافة إلى فرق الضواحي التي تؤثث الأدوار الأولى  ولا تتجاوز منافساتها التمهيدية، باستثناء فريق أولاد حمو الذي يتقدم قليلا.. هذا الأخير المشهور بارتدائه لقمصان تشبه قمصان منتخب البرازيل هو الفريق الوحيد الذي يلعب ضمن صفوفه لاعب اسمه قاسم وابنه في نفس الوقت، وأيضا هو الذي يملك جناحا أيمن فاقدا لذراعه الأيسر، ومع ذلك يلعب المباراة كلها دون إشعار بالإعاقة..

مباريات دوري رمضان العادية يقودها في جانب التحكيم المرحومان “الحدومي” و”عليلي”،أما الصعبة منها فتوكل إلى المفتش “حسن كلومبو”؛ فهو الوحيد القادر على إدارتها بالضبط اللازم دون شغب أو احتجاج.. في حين تبقى  النهاية من نصيب المرحوم “العلمي” ودائما ما يختمها بالتعادل حتى تحسم بضربات الترجيح…

متابعة ثلاثة مباريات في مساء يوم الصيام، ومعها عدد من المشاحنات والمشاجرات والمضاربات بين المقطوعين من أصحاب البلايا الجائعين، وأشهرها معركة كليطو مع جنان بيضاوة التي خلفت من الجرحى ربما أكثر مما خلفته حوادث السير ذلك اليوم.. وانتفاضة “الشريف البقالي” حينما أخلى الملعب من جمهوره بواسطة أكوام الحجارة التي اقتلعها من المستودعات القديمة وسددها في كل اتجاه… إضافة إلى الفقرات الجامعة للحكمة والسخرية والجنون التي يحدثها “قاسم المرّي” في بدايات خبله، كانت توصلنا إلى الموعد الذي خرجنا في الصباح نطلبه، وكثيرا ما يعلن المؤذن أوان الإفطار ونحن لا نزال لم نلتحق ببيوتنا…

من حائط : محمد اليشيري 


شاهد أيضا
تعليقات
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.