قصر دوكيسا: النقطة التي أفاضت الكأس!

العرائش نيوز: 

بقلم : الدكتور أيمن السباعي
هي مدينة من أعرق المدن المغربية، ثقافة و حضارة و تاريخا؛

هي عمران عريق بحمولة ثقافية غنية؛

هي عبق فينيقي ، قرطاجي، روماني، و إسلامي؛

هي خليط هندسي مغربي-اسباني؛

هي تراث ثقافي يعاني غياب ثقافة تراثية؛

هي عمران حضاري وجب تحصينه و تحيينه هندسيا بما يزاوج بين عهدين معماريين زخرا بمؤهلات طبيعية و أصالة تاريخية يؤهلها لتغدو قطبا سياحيا رائدا ؛

هي أرضية مناسبة و تربة خصبة لتجسيد التثاقف الإنساني المعاصر؛

هي لوحة معمارية ترسم الذاكرة الجماعية لأهل اللوكوس بأدق تفاصيلها؛

هي تذكار ملموس يفخر به الجيل الجديد، نشوة بما قدمه الأجداد؛

هي جوهرة أطفأت مشاكلها التي لا تعد و لا تحصى بريقها؛

هي عروسة اغتصبت المجالس المتعاقبة على تسييرها رونقها، وأحدثت ثغرا عميقا ببنيتها و جمالها الهندسي؛

هي العرائش الجريحة جرحا غائرا في أعماق النسيان والهجران؛

صحيح انه من الطبيعي مرور المدن شأنها شأن الحضارات بالدورة الحياتية المعتادة:ولادة، نشأة، شباب، شيخوخة، فمرض ثم موت، لكن أن تشيخ مدينة في عز شبابها، بل وأن تموت قبل حياتها، فهذا ظلم كبير و رب الكعبة.

ففي الوقت الذي تنادي فيه المنظمات الأممية والهيئات الدولية، بأهمية نشر الثقافة العمرانية و حفظ الموروث الحضاري، يصدمنا المجلس المسير للعرائش بتغريده خارج السرب كعادته، وذلك بعزمه تسليم قصر دوكيسا للوبي العقار الذي أتى على اليابس و الأخضر بهذه المدينة البئيسة، غافلا بأنه كما لمكة رب يحميها فللعرائش كذلك رب سيحميها و شباب غيور سيفديها.

فاليوم نحن أمام مبادرة عرائشية أظنها صادقة، هدفها الحفاظ على ما تبقى من أطلال مدينة لم تتعرض لا لهجوم نووي ولا لزلزال مدوي، مدينة كانت ضحية مسؤولية تقصيرية لإعادة الحياة لموروثها العمراني، مدينة منكوبة بسبب تطبعنا و سياسة التدجين التي ينهجها لوبي العقار الهادف إلى تحقيق المصالح الذاتية لأصحاب القرار على حساب الهوية التاريخية للعرائش.

إن مدينتنا اليوم بحاجة لكل أبنائها البررة، كل من موقعه لبناء عرائش أصيلة و معاصرة بفضل تراثها الإنساني المتميز.

مدينتنا اليوم تتبرأ من كل وصولي انتهازي محسوب عليها، يستغل منصبه لقضاء المصالح الشخصية و تسمين الحسابات البنكية.

اليوم و عندما نرى كيف أضحت مدن- لا تمتلك من المؤهلات الطبيعية، و العراقة التاريخية حتى ربع ما تملك جوهرتنا- مدنا ذات صيت عالمي، لا نجد كعرائشيين غيورين على مدينتنا سوى التحسر على سوء المنقلب، والصدح بأعلى أصواتنا <وا فيليبساه! > فلو كان الإمبراطور فيليبس 3 الذي فضل العرائش على شمال أفريقيا موجودا، لما آلت إلى هذا المصير الكئيب.

ظن أباؤنا خيرا بالمجالس المنتخبة السابقة إلا أن ظنهم خاب، و أعطينا نحن الفرصة لمجلس اليوم عله يجنبنا خيبة جديدة، فإذا بموقف أغلبيته المسيرة من مآل قصر دوكيسا يؤكد لنا بأن بعض الظن إثم.

لنجد أنفسنا من جديد أمام ضرورة مراجعة حساباتنا و مواقفنا السياسية بغية وضع الثقة هذه المرة فيمن يبين وككل مرة عن حسن نيته لخدمة هذه المدينة و المضي بمستقبلها قدما.

ففي ظل ممارسات سياسية شاذة وغير مواطنة احس بانه فرض عين علينا الوقوف ضد هدم المعالم التاريخية للعرائش و الوقوف ضد طمس هويتها الثقافية، بل و دفاعنا يجب أن يشمل محاربة سياسة الاهمال والاندثار التي تعاني منها نفس المعالم، فتركها للتآكل هو جريمة ثقافية و حضارية بنفس بشاعة الأولى.

ختاما اعترف بأن التدهور الذي لحق النسيج العمراني العرائشي لمهول، إلا أن عمرانها مازال يملك رصيدا تأهيليا جيدا ليصير لبنة أولى من أجل إطلاق مشاريع سياحية مهمة، شريطة أن يكون دفاعنا عن مدينتنا صادقا، وليس حبيس مزايدات سياسوية فارغة لا يتجاوز سقفها ترديد شعارات رنانة تترك العرائش على حالها مزبلة للشمال بدل العمل على إعادة بريقها كجوهرة له.


شاهد أيضا
تعليقات
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.