كيف تصنع النخب المحلية في المغرب؟ قراءة سوسيولوجية في ضوء تحليلات عبد الرحيم العطري

العرائش نيوز:

يوسف العباس

تُشكل النخب المحلية في المغرب مفتاحًا لفهم بنية السلطة وآليات اشتغالها على المستوى المحلي. هذه النخب ليست مجرد فاعلين سياسيين، بل هي جزء من منظومة تشتغل وفق ديناميكيات معقدة من الولاء، المصالح، وإعادة الإنتاج الاجتماعي والسياسي. لفهم هذا الموضوع بشكل أعمق، يمكن الاستفادة من تحليلات عبد الرحيم العطري، الذي قدم مقاربات نقدية مهمة حول المجتمع السياسي المغربي، وخاصة النخب المحلية، إلى جانب توظيف نظريات النخبة (بريتو، النظرية الانقسامية، تحليل عبد الله حمودي، جون واتربوري، ودايل إيكلمان).
1. عبد الرحيم العطري: من هوامش الهامش إلى مركز القرار
يؤكد العطري في كتاباته على أن النخب المحلية لا تتشكل بطريقة ديمقراطية قائمة على الكفاءة والبرامج، بل عبر آليات الولاء، الزبونية، والتحكم في الموارد. يرى العطري أن النخب المحلية تتشكل من “فاعلين انتهازيين” يتقنون فن التحايل على القوانين واستثمار الهشاشة الاجتماعية لضمان استمرارهم في مواقع السلطة.
أهم خصائص النخب المحلية حسب العطري:
الوجاهة الاجتماعية قبل الكفاءة: فالنخب تتشكل غالبًا من شخصيات بارزة في محيطها بسبب نفوذها العائلي أو الاقتصادي، وليس بناءً على قدراتها التدبيرية أو السياسية.
هيمنة المال الانتخابي: يُعتبر المال أحد الأدوات الأساسية في صناعة النخب، حيث تُشترى الولاءات وتُحسم الانتخابات عبر شبكات الزبونية والمحسوبية.
التحكم في الفقر والهشاشة: تستفيد النخب المحلية من الأوضاع الاجتماعية الهشة لضمان بقاء سيطرتها، من خلال توزيع المساعدات أو التدخل في قضايا المواطنين بطريقة زبونية.
المثقف المدجن مقابل المنتخب المقاول: يشير العطري إلى تراجع دور المثقف في صناعة القرار المحلي مقابل صعود رجال الأعمال والمقاولين الذين يستثمرون في السياسة لضمان مصالحهم الاقتصادية.
2. النخب بين “الشيخ والمريد” و”السلطة والقبيلة”
أ. عبد الله حمودي: علاقة الشيخ بالمريد في السلطة المحلية
يؤكد عبد الله حمودي في كتابه الشيخ والمريد أن العلاقة السلطوية في المغرب تقوم على التراتبية والطاعة، حيث يكون “الشيخ” هو القائد الذي يُحدد مسار الأتباع (“المريدين”) مقابل الحماية أو الامتيازات. في السياق المحلي، نجد أن المنتخبين المحليين يُعيدون إنتاج هذه العلاقة عبر:
تكوين شبكات ولاء داخل المجالس الجماعية، حيث يُطلب من الأعضاء التبعية المطلقة للرئيس.
احتواء المعارضين عبر منحهم امتيازات أو تهميشهم عبر سحب الموارد والخدمات عن دوائرهم الانتخابية.
ب. النظرية الانقسامية: القبيلة والمخزن في تشكيل النخب
حسب إرنست غيلنر وكليفورد غيرتز، فإن السلطة في المغرب لا تُمارس بشكل مؤسساتي فقط، بل عبر شبكة من العلاقات القبلية والزبونية. ما يزال هذا النموذج قائمًا في العديد من المناطق، حيث يتم اختيار النخب المحلية بناءً على انتمائها العائلي والقبلي أكثر من انتمائها الحزبي أو كفاءتها السياسية.
3. جون واتربوري و”أمير المؤمنين والنخب السياسية”
يحلل جون واتربوري في كتابه أمير المؤمنين والنخبة السياسية المغربية كيف تُنتج الدولة النخب المحلية عبر آليات الاحتواء والإقصاء. على المستوى المحلي، نجد أن الدولة لا تسمح ببروز نخب قوية ومستقلة، بل تعمل على:
تشجيع الانشقاقات داخل النخب لضمان عدم هيمنة أي تيار محلي قوي.
إدماج بعض الفاعلين المحليين في المؤسسات الرسمية لضمان ولائهم، خاصة عبر منحهم مناصب في المجالس المنتخبة أو الجمعيات التنموية.
استعمال الريع السياسي كأداة لضبط النخب، حيث تُوزع الامتيازات الاقتصادية لمن يثبت ولاءه.
4. العطري وسؤال النخب السياسية بين “المنتخب المُقاول” و”مثقف الهامش”
يرى عبد الرحيم العطري أن هناك تحولات عميقة في بنية النخب المحلية، حيث لم تعد تتشكل من القيادات السياسية التقليدية، بل أصبحنا أمام نموذجين جديدين:
1. المنتخب المقاول: وهو الشخص الذي يستثمر في الانتخابات كوسيلة لحماية مصالحه الاقتصادية، حيث يستخدم موقعه السياسي للحصول على الصفقات العمومية والتأثير على الاستثمارات المحلية.
2. المثقف المهمش: بسبب هيمنة منطق المال والزبونية، تراجع دور المثقف في صناعة القرار المحلي، حيث يجد نفسه في موقع الهامش مقابل صعود رجال المال والأعمال.
5. الفلاح المدافع عن العرش: قراءة في تحالف المخزن والنخب المحلية
يشير دايل إيكلمان في كتابه الفلاح المغربي المدافع عن العرش إلى أن النخب المحلية لا تعمل فقط كوسيط بين الدولة والمجتمع، بل تلعب دورًا رئيسيًا في تعزيز شرعية المخزن. وهذا يتجلى في:
تحالف المخزن مع الزعامات القروية لضمان استقرار السلطة، حيث يتم دعم شخصيات محلية نافذة لتكون واجهة للسلطة المركزية.
استخدام الجمعيات التنموية كأداة لإعادة إنتاج الولاءات بدلًا من تحقيق التنمية الحقيقية.
هيمنة العلاقات الزبونية على التمثيلية السياسية، حيث يصبح المنتخب وسيطًا بين السكان والسلطة بدلًا من أن يكون ممثلًا حقيقيًا لهم.
خاتمة: بين الاستمرارية والتغيير
يقدم عبد الرحيم العطري، إلى جانب التحليلات السوسيولوجية الأخرى، فهمًا عميقًا لطبيعة النخب المحلية في المغرب، والتي تُعيد إنتاج نفسها عبر آليات الولاء والزبونية بدلًا من الكفاءة والممارسة الديمقراطية. وبينما تتيح التحولات الاجتماعية والتكنولوجية (مثل صعود الإعلام الرقمي) فرصًا لبروز نخب جديدة، فإن البنية السلطوية القائمة تظل قادرة على امتصاص هذه التحولات وإعادة ضبط قواعد اللعبة بما يضمن استمرار نفس الأنماط التقليدية.
ويبقى السؤال: هل يمكن أن نشهد تغيرًا حقيقيًا في صناعة النخب المحلية، أم أن النظام الحالي قادر على الاستمرار في احتواء أي تغيير محتمل؟


شاهد أيضا
تعليقات
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.